﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

(02)مراقبة الله الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم
نعم هذا هو المرشد الدائم، إنه الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم الملازم، الذي لا يغيب عن الإنسان في كل لحظات حياته، إنه علم الله الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، علمه تعالى الذي بثه في كل صفحات كتابه المقروء، ودلت عليه كل ذرة من كتابه المفتوح. وسمي بهذا العنوان، لأن جميع الواعظين من الأقرباء -كالآباء- والمعلمين -وكبار العلماء، وأهل السطوة والقوة، كالقضاة ولأمراء والحكام، مهما عَظُموا في قلب الإنسان، فخافهم ورغب في رضاهم، لا يمكن أن يكون وعظهم وزجرهم لمن وعظوه أو زجروه، ذا أثر فعال في نفسه، مثل رقابة الله الواعظة والزاجرة، لأن كل البشر لا يمكن يكونوا عالمين بكل تصرفات من وعظوه وزجروه في كل أوقاته، لأنه إذا خلا بنفسه، في مكان قريب منهم أو بعيد عنهم، لا يعلمون عنه شيئا، لأنهم لا يعلمون ما غاب عنهم. ولكن الله الخالق لكل المخلوقات في الأرض، لا يغيب عنه شيء، فوعظه وترغيبه لهم، ونهيه وزجره لهم، حاضر معهم في كل مكا، ولهذا كان الإيمان به تعالى وبكل ما أمرهم بالإيمان به، هو إيمان بالغيب، كما قال تعالى: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة] ولهذا أطلق العلماء عليه هذا المصطلح: "الواعظ الأكبر، والزاجر الأعظم" وعندما يكون المؤمن مستحضراً هذا الواعظ الزاجر بقوة في قلبه، سيحاول الشيطان الرجيم أن يهتبل منه لحظة غفلة، فيصرفه عن طاعة، أو يوقعه في معصية، ولكن هذا الواعظ الزاجر المتمكن من قلبه سرعان ما يذكره بربه، وكونه يعلم الغيب كما يعلم الشهادة، فلا يخفى عليه شيء، فينيب إليه تائباً ويستغفره آيباً، ويعود إلى رشده نادماً، وكأنه فقد بصره لحظة فعاد إليه سريعا، فإذا هو مبصر: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201)} [الأعراف]. ولنستعرض هذا الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم في بعض نصوص الوحيين، لنُذَكِّر بهما أنفسنا، ونقوِّي بهما إيماننا، وندعم بهما تقوانا، فنتسلح به وبهما في حياتنا، لتكون كلها حارساً لنا من عدونا الشيطان الرجيم، فلا يأتينا من فجٍّ إلا وجد منهما شهباً محرقة، وجنوداً به محدقة، ويجعلنا الله تعالى من عباده المخْلِصين المخْلَصين، فلا يجد له علينا سبيلاً، بل يولي مدبراً مدحوراً ذليلاً.. لأنه يعلم أنه لا غيب عند الله، أي لا يغيب عنه شيء. فلنتذكر أولاً: أنه لا يوجد عند الله تعالى غيب، كما يوجد عند المخلوقين الذين لا يعلمون إلا ما علَّمهم الله، ومهما بلغوا من العلم الذي نالوه، فإن ما يعلمونه في غاية الضآلة بجانب ما غاب عنهم، أما الخالق سبحانه، فلا فرق عنده بين ما هو من عالم الغيب، وما هو من عالم الشهادة، عند خلقه، كما قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [في سور كثيرة من كتابه، كسورة الأنعام (73)، وسورة التوبة (94) و(105)، وسورة الرعد (9)، وسورة الزمر (46)، وسورة الحشر (22)]. فإذا علم المؤمن أنه مهما غاب عن أعين الناس، لا يغيب عن علم الله تعالى، تيقَّن أن هذا الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم مُلازم له في كل حال، مُراقب له أشدَّ المراقبة، هذا الواعظ الأكبر الذي لا يغيب عنه طرفة عين، فيحمل نفسه على طاعة ربه، في كل ما أمره به، مستكثراً منها، طامعاً في رضا الله وجزيل ثوابه تعالى، لعلمه أن كل ما يعمله من الطاعات عند ربه محسوب، وفي سجله لديه مكتوب، كما يراقب هذا الزاجر الأعظم، بكل ما يعمل في ما نهاه الله تعالى عنه، فيكبح جماح شهوات نفسه الأمارة بالسوء، فلا يُقدم على معصية من المعاصي، لعلمه أنه ما يعمل من مثقال ذرة منها إلا لقي عليه جزاءه يوم الدين. بل إن ذلك الرقيب العظيم، يحمله على مراقبته الذاتية لنفسه، فيحرص على عمل ما يحبه الله تعالى من الأعمال، ولو لم يكن واجباً بل مندوباً؛ لأنه يعلم أنه كلما عمل عملاً يُرضي ربه، ثقل عنده ميزان حسناته، وابتعد عما يكرهه الله تعالى، ولو لم يكن محرماً عليه، لعلمه أنه سيثيبه على ذلك كله، ولو لم يعاقبه على ترك المندوب وفعل المكروه. لا غنى للمسلم عن الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم: ولنتذكر ثانياً: أن الله تعالى علم أن خلقه لا يستغنون أبداً عن التذكير بهذا الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم، بل هم في غاية الضرورة إلى التذكير به وتَذَكُّرِه، لكثرة أعدائهم المحيطين بهم، الملازمين لهم، يزينون لهم القبيح من المنكرات والفواحش، ليدَعُّوهم إلى غضب الله، وشديد عقابه دعَّاً. فالشيطان الرجيم - كما سبق - للإنسان بالمرصاد، ونفس العبد الأمارة بالسوء، تهيجه إلى كل الموبقات، وهواه يجعله لا يفرغ من تعاطي شهوة - حلالاً كانت أم حراماً نافعة أم ضارة - إلا أغراه بأُختها، فأكثر سبحانه لعباده في كتابه من ذكر هذا الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم، ليتسلحوا به ضد أولئك الأعداء الملازمين. كما قال تعالى: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5)} [هود]. هذه الآية الكريمة - مهما اختلف المفسرون في سبب نزولها - تجعل قارئها واجف القلب، مرتعد الفرائص، من أي حركة يتحركها، أو سكنة يسكنها، محذراً نفسه من مغبة ما تأتي وما تذر، مما يُفقِده رضا خالقه، ويجلب له غضبه؛ لأن سره وعلنه لدى بارئه مكشوف، بل ذات خلايا صدره وخطرات قلبه تحت سمع الله وبصره، فأين المهرب من علم الله؟ وأين المفر من رقابته؟ قال فضيلة شيخنا العلامة المفسر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: "قوله تعالى: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5)}: يبين تعالى في هذه الآية الكريمة. أنه لا يخفى عليه شيء، وأن السر كالعلانية عنده، فهو عالم بما تنطوي عليه الضمائر، وما يعلن وما يسر، والآيات المبينة لهذا كثيرة جداً، كقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ (16)} [ق]. وقوله جل وعلا: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (7)} [الأعراف]. وقوله: {وَمَا تَكُونُ في شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلاٌّرْضِ وَلاَ في السَّمَآءِ(61)} [يونس]. ولا تقلب ورقة من المصحف الكريم إلا وجدت فيها آية بهذا المعنى. تنبيه مهم: [لا يزال الكلام لفضيلة الشيخ] اعلم أن الله تبارك وتعالى، ما أنزل من السماء إلى الأرض واعظاً أكبر، ولا زاجراً أعظم، مما تضمنته هذه الآيات الكريمة وأمثالها في القرآن، من أنه تعالى عالم بكل ما يعمله خلقه، رقيب عليهم، ليس بغائب عما يفعلون. وضرب العلماء لهذا الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم مثلاً ليصير به كالمحسوس، فقالوا: لو فرضنا أن ملِكاً قتّالاً للرجال، سفّاكاً للدماء، شديد البطش والنكال، على من انتهك حرمته ظلماً، وسيافه قائم على رأسه، والنطع مبسوط للقتل، والسيف يقطر دماً، وحول هذا الملك - الذي هذه صفته - جواريه وأزواجه وبناته، فهل ترى أن أحداً من الحاضرين يهتم بريبة أو بحرام يناله من بنات ذلك الملك وأزواجه؟ وهو ينظر إليه، عالم بأنه مطلع عليه؟ لا وكلا، بل جميع الحاضرين يكونون خائفين، وجلة قلوبهم، خاشعة عيونهم، ساكنة جوارحهم، خوفاً من بطش ذلك الملك. ولا شك - ولله المثل الأعلى - أن رب السموات والأرض جل وعلا أشد علماً، وأعظم مراقبة، وأشد بطشاً، وأعظم نكالاً وعقوبة من ذلك الملك، وحماه في أرضهِ محارمه. فإذا لاحظ الإنسان الضعيف أن ربه جل وعلا ليس بغائب عنه، وأنه مطلع على كل ما يقول، وما يفعل، وما ينوي، لانَ قلبه، وخشي الله تعالى، وأحسن عمله لله جل وعلا" انتهى [انتهى كلامه رحمه الله من كتاب أضواء البيان أول سورة هود].



السابق

الفهرس

التالي


12437814

عداد الصفحات العام

5886

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م