﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

من هنا بدأت المحاضرة الخامسة والعشرون في 16/8/1384هـ
{وذلك يوم مشهود}. أي محضور، يشهده الملائكة والخلائق كلهم. كما قال تعالى: {كَلاَّ إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}. [الفجر: 21-22].. وقال تعالى: {أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}. [سورة المطففين: 5-6].. والذين يخافون عذاب الآخرة الذي حذر الله منه في هذه الآيات وغيرها إنما هم العلماء، كما نص تعالى على قصر الخوف منه عليهم، فقال: {كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28].. وكلما كان العبد أكثر علماً بالله كان أكثر خوفاً منه، وأعظم خشية من عقابه، وقد سبق أن سبب تخصيص كون تلك العبر التي قصها الله في هذه السورة آية بالخائفين، أنهم ينتفعون بها، وإلا فهي آية للأسود والأحمر، ومثل هذا تخصيص كون القرآن هدى للمؤمنين، مع أنه لهم ولغيرهم. كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}. [يونس: 57].. فالقرآن صالح للناس كلهم ولكن المنتفع الحقيقي به هم المؤمنون، لذلك خصهم الله بأنه هدى ورحمة لهم، وأما أعداء الله الكفار فلا يزدادون به إلا بعداً، لعدم إيمانهم به. كما قال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت:44].. وقال تعالى: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً}. [المائدة: 64].. وقال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ}. [التوبة: 125] وغير ذلك من الآيات. فهذه الآيات تُبين أن من طلب الهدى هداه الله وزاده إيماناً ومن ابتعد عن الله زادته آيات القرآن شراً على شره. وأصل الناس من الأرض، والأرض متفاوتة في النفع إذا نزل بها المطر، وكذلك الناس، وقد قال الله تعالى في الأرض: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ}. [الأعراف: 58].. فكما أن المطر يخرج الثمار وينبت الأشجار وغيرها من عجائب جنات الأرض وبساتينها فكذلك نور الإيمان والقرآن يوجد الهداية في القلوب الطيبة الطاهرة، كما يدل لهذا حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقية، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل منن فَقُه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به).. [صحيح البخاري (1/28) وصحيح مسلم (4/1787)].. قوله تعالى: {وما نؤخره إلا لأجل معدود}. أي ما أخرنا ذلك اليوم إلا لأجل، أي لوقت، معدود أي محدود مضبوط في غاية الدقة، كما قال تعالى: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} [الطلاق:3].. وفي هذا رد على تكذيب الكفار بذلك اليوم واستعجالهم له، كما قال تعالى: {ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون}. [الحج:47].. فالأجل الأمد، والمعدود المحسوب بإتقان لا يزيد ولا ينقص ـ ويعبر بالمعدود في لغة العرب عن الشيء القليل، كما قال تعالى في ثمن يوسف: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ} [يوسف: 20].. ولا شك في قرب الساعة كما دلَّ على ذلك القرآن في آيات كثيرة، كما في قوله تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} [الشورى: 17].. وقال تعالى: {اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ}. [القمر: 1].. {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد}. في يأتي قراءتان: إثبات الياء في الوصل وإسقاطها في الوقف، وإسقاطها في الوصل والوقف، وهي تحذف ويكتفى عنها بالكسرة، ومنه قول الشاعر:

[لم أدرك مع الشيخ إلا محل الشاهد: وأخرى تعط، وقد وجدت البيت في تفسير جامع البيان عن تأويل أي القرآن (12/116) لابن جرير الطبري، والبحر المحيط لابن حيان (5/262)].. كما أن الواو كذلك تحذف ويكتفى عنها بالضم، كما في قوله تعالى: {سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ}. [العلق: 18].. لا تكلم أصله: تتكلم، حذفت منه إحدى التائين على حد قول ابن مالك في الخلاصة:

وللنحويين خلاف في: هل المحذوفة هي التاء الأولى التي هي حرف المضارعة أو الثانية التي هي تاء الفعل الذي على وزن تفعل؟ فمن حذف الأولى قال: إن الثانية لها شبه أصالة، لأنها موجودة في نفس الكلمة قبل دخول حرف المضارعة، ومن حذف الثانية، قال: إن حرف المضارعة إنما جيء به لمعنى فلا يسوغ حذفه. (قال الشيخ): وأنا أقول: الله تعالى أعلم: فإن مثل هذا أشبه شيء بحلم الأبكم. [يقصد أنه لا توجد قرينة يمكن الاستدلال بها على تعين المحذوف، كما أن الأبكم لا قدرة له على حكاية حلمه]. والمراد أنه في ذلك اليوم لا يتكلم أحد بدون إذن المولى جـل وعلا لشدة الخوف منه، قال تعالى: {وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً}. [طه:108]. ولا يتكلم في ذلك اليوم إلا المأذون له من الله تعالى كما هو واضح من آية هود هذه، وكما في قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً} [النبأ:38].. وهنا يرد إشكالات: أولاً: أنه تعالى هنا أثبت أنهم يتكلمون بالإذن، وقد نفى في آية أخرى نطقهم والإذن لهم، كما قال تعالى: {هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ (35) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ}. [المرسلات: 35-36].. ثانياً: أنه قال في سورة النبأ: {إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا}. فقيد كلامهم بأمرين، وهما الإذن وقول الصواب. والجواب: أن يوم القيامة يوم طويل، كما قال تعالى: {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}. [السجدة: 5].. ومواقفه متعددة. ومواطنه كثيرة، فالمثبت يمكن أن يكون في موطن، والمنفي في موطن آخر، كالحوادث التي تقع في عمر الإنسان الطويل، فالفعل الواقع في اليوم يصدق بأوله وآخره ووسطه، فالكافرون في بعض المواطن، لا يؤذن لهم إلا بقول الصواب فقط كما نصت عليه آية النبأ، وتارة يتكلمون بالصواب وبغير الصواب، بإذن الله. كما قال تعالى عنهم: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوْا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. [النحل: 28].. وقال تعالى: {ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ}. [غافر: 73-74].. وقال تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}. [الأنعام: 23].. ووقوع الفعل في مطلق الظرف لا يلزم منه أن يستغرق كل الوقت، ولا يتحقق التناقض بين القضيتين إلا في اتحاد الزمن، والظرفية الزمانية والمكانية تقتضي جزء فقط. {فمنهم شقي وسعيد}. فمنهم أي الناس الذي ذكروا في قوله: {ذلك يوم مجموع له الناس} .. والشقي على فعيل، أصل لامه واو بدليل قولهم: الشقوة، كما في قوله تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا}. [المؤمنون: 106].. والشقي من كتب عليه الشقاء أزلاً عند الله تعالى، فإنه جـل وعلا قدر مقادير الخلق قبل أن يوجدوا، وصرَّف مشيئاتهم وأعمالهم إلى ما كتب، ولما سأل بعض أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم عن العمل، أهو خطة مدبرة قد فرغ منها أم هو أنف، قال صلى الله عليه وسلم: (لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير). قيل له: ففيم يعمل العاملون؟ قال: (كل مُيَسَّر لما خلق له). [الحديث في صحيح مسلم (4/2040-2041)]. وسُئل الشيخ هنا، فقيل له: يبقى الإشكال بين قوله صلى الله عليه وسلم: (رفعت الصحف وجفت الأقلام) وبين قوله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).. فالحديث الأول يدل على سبق القدر وأن الإنسان لا بد عامل بما كتب في الأزل، وهذا يدل أن الإنسان قد يعمل عمل أهل النار، ثم يسبق عليه الكتاب فيتحول إلى عمل أهل الجنة أو العكس، فأجاب فضيلته قائلاً: "هذا الإشكال تزيله زيادة في الحديث الأخير، وهي في الصحيح بلفظ: (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار، فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة)" [الحديث الأخير في صحيح البخاري (8/188) ومسلم (4/2036) والزيادة في مسلم (4/2042)].. فقد يبدو الرجل عاملاً عمل أهل الجنة وهو في الواقع من أهل النار على ما سبق به الكتاب في الأزل، وقد يبدو عاملاً عمل أهل النار وهو في الواقع من أهل الجنة على ما سبق به الكتاب في الأزل، فلا منافاة. {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق}. أي كتبت عليهم الشقاوة الأزلية، قيل: المراد الشقاء الأكبر، فالمراد بهم الكافرون، وقيل يشمل الشَّقائين: الأكبر والأصغر، فيدخل في ذلك عصاة المؤمنين، وقوله: ففي النار أي فهم في النار. والمقرر عند سيبويه أن أما مضمنة معنى أداة الشرط وفعله، ولا يكون جوابها صالحاً لأن يجاب به الشرط وحده، بل لا بد من الفاء، والتقدير: مهما يكن من شيء، وقد أشار إلى هذا ابن مالك في الألفية بقوله:

ونار الآخرة لو شددت نار الدنيا إلى منتهاها، لكانت نار الآخرة أشد منها بسبعين ضعفاً، وهي مسودة مظلمة يحطم بعضها بعضاً، وألف نار أصلها واو، بدليل تصغيرها على نويرة على حد قول ابن مالك في الألفية:

وبدليل تضعيفها، فإنه كالتصغير يرد الأشياء إلى أصلها، وقد مضى شاهده. [في تفسير الآية: 98 فأوردهم النار ]. والزفير مِن زفر، وهو في الأصل ارتفاع النفَس بقوة، ومنه قول الشاعر:

وقول الآخر:

والشهيق ترديد النفَس في الصدر، ويُفرق العلماء بينهما بنهاق الحمار، فالزفير هو ما يحصل في أول نهاقه، حيث يصيح بقوة والشهيق في آخره، فإنه يردده في صدره.. [لم أجد شاهداً فيما كتبت عن الشيخ، ولعله فاتني، لأن الغالب عليه الاستشهاد، وقد ذكر ابن جرير في تفسيره (12/116) شاهداً لذلك من قول رؤبة بن العجاج، وهو:

وقيل فيهما ـ أي في الزفير والشهيق ـ غير هذا، ولكن هذا أظهر التفاسير، وهذا يدل على أن أصواتهم مزعجة لشدة ما يحصل لهم من العذاب. {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} . خالدين حال، و ما مصدرية ظرفية، أي مدة ديمومة السماوات والأرض. وفي هذه الآية إشكالان: الأول: تقييد الخلود بديمومة السماوات والأرض. الثاني: الاستثناء في قوله: إلا ما شاء ربك . والجواب: على الإشكال الأول من وجهين: الوجه الأول: أن ذلك جار على عادة العرب، إذا أرادوا أمراً مؤبداً، قالوا: هو واقع ما دامت السماوات والأرض، أي أبداً بلا انقطاع، ومثله قولهم: ما طلع نجم. الوجه الثاني: أنه لا بد من مكان لأهل الجنة ومكان لأهل النار في الآخرة، كما أنه لا بد من شيء يظل هؤلاء وآخر يظل أولئك، فما يقلهم يُسمى أرضاً، وما يظلهم يسمى سماء، فالمراد مدة ديمومة السماوات والأرض، أي سماوات الآخرة وأرضها، أما هذه الأرض وهذه السماء ـ أي أرض الدنيا وسماؤها ـ فقد نص الله تعالى على تغييرها وتبديلها، كما قال تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}. [إبراهيم: 48].. أما الجواب على الإشكال الثاني: فإنا نذكر أولاً الأدلة المتعارضة، ثم نجيب على ذلك. فقد دلَّت ثلاث آيات في القرآن على هذا المعنى، وهو استثناء خلود أهل النار. الآية الأولى: هي هذه التي عندنا في هذه السورة. الآية الثانية: في سورة الأنعام، وهي قوله تعالى: {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}. [الأنعام: 128].. الآية الثالثة: في سورة النبأ، وهي قوله تعالى: {لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً}. [النبأ: 23].. و أحقاباً ظرف منكر يفهم منه أنه ينتهي في وقت ما. هذه الآيات دالة على الاستثناء في خلود أهل النار. أما الأدلة على الخلود الأبدي.. فستأتي من خلال الجواب إن شاء الله.. والجواب الحق أن أهل النار الكفرة خالدون فيها خلوداً لا انقطاع له البتة، والاستثناء بالمشيئة كما صرح به في أهل النار صرح به كذلك في أهل الجنة، مع أنه لا يقول أحد ممن يقول بانقطاع النار بانقطاع الجنة. كما قال تعالى في سورة هود: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}. وهذه المشيئة مجملة لم نعرف ما أخرجته، والأدلة المنفصلة وضحت أن المشيئة اقتضت الخلود الأبدي. كما قال تعالى في أهل الجنة: {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ}. [ص: 54].. وقال تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 96].. وقال تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [الزخرف: 74-75].. وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} [الفرقان: 65، أي دائماً ملازماً لأهله].. وقال تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ} [البقرة: 162، آل عمران: 88].. وقال تعالى: { مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً (97) }. [الإسراء]. والفعل بعد كلما يتكرر بتكررها، فمن ادعى خبوة للنار نهائية تفنى بها ليس بعده سعير، يرد عليه بهذه الآية الكريمة. ولو قيل للعبد: كلما جاء أحد أكرمه لزمه ذلك ولا حق له أن يعتذر بأنه لم يفهم التكرار. وقد زعم ابن القيم، رحمه الله أن النار تفنى عندما ناقش الأدلة في كتابه: "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح" وأيد رأيه بأن الله تعالى لا يخلف الميعاد، بخلاف الوعيد فإنه لم يأت ما يدل على أنه لا يخلفه، وخلف الوعيد من الصفات المحمودة، كما قال الشاعر:

وكأن ابن القيم في أثناء كلامه يتحدى من يقول: إن الله أخبر أنه لا يخلف وعيده. [بدأ ابن القيم رحمه الله الكلام على أبدية النار ودوامها من ص:248 إلى ص: 274 من كتاب "حادي الأرواح" نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت].. وما قاله مردود من وجوه: الوجه الأول: أنا لو تمسكنا بما ذكر لجاز أن يُقال: لا يدخل النار كافر، لجواز إخلاف الإيعاد، وهذا خلاف ما دلت عليه النصوص، وما فهمه العلماء. الوجه الثاني: أننا لا نسلم أنه ليس في كتاب الله ما يدل على أنه لا يخلف وعيده بالنسبة للكفار، بل صرحت الأدلة بلزومه. كما قال تعالى: {قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} [ق: 28-29]. فقد صرح أنه لا يبدل قوله، وذلك هو وعيده كما هو ظاهر. وقال تعالى: {كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} [ق:14].. أي ثبت ووجب، والفاء للتعليل، فكل مكذب لا بد أن يحق عليه ذلك. وقال تعالى: {إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ}. [ص:14].. والوعيد الذي يجوز إخلافه هو وعيد عصاة المؤمنين المذنبين. كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً}. [النساء: 48].. هذا الجواب كله في الاستثناء، وبقي أن يُقال: كيف يُعبر عن شيء لا انقضاء له بـ"أحقاباً" وهو منكر يفهم منه أنه ينقضي وقتاً ما؟ والجواب: قد أوضحه الله تمام الإيضاح في سورة (ص) وخير ما يُفسر به القرآن القرآن، فالأحقاب في آية النبأ متعلقة بما بعدها، وهو أنهم في تلك الأحقاب لا يذوقون إلا الحميم والغساق، ثم بعد أن تنتهي تلك الأحقاب يُشَكَّلُ لهم العذاب من غيرهما، أشكالاً لا نهاية لها، والدليل على أن المراد ما ذكرنا قوله تعالى في سورة (ص): {هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} [ص:57-58].. فالأحقاب التي في النبأ لا يقع فيها إلا الحميم والغساق، ولا يقع فيها غيرهما، وإذا قلنا بانتهاء تلك الأحقاب تنتهي النار، يبقى ما ذكر في سورة (ص) لا ظرف له وهو خلاف القرآن، فظهر أن الأحقاب ظرف للحميم والغساق، وأنه بعد انتهاء تلك الأحقاب تأتي ألوان أخرى من العذاب. [ذكر فضيلة شيخنا المفسر، رحمه الله أن ابن القيم، رحمه الله زعم فناء النار وذكر شيئاً مما استدل به على ذلك ورد على ذلك الاستدلال، وهو رد قوي لا مراء فيه.] ولكني أحب أن أنبه ـ إنصافاً لابن القيم رحمه الله ـ أنه لم يجزم بفناء النار، وإنما ساق أدلة القائلين بذلك موضحاً أوجه استدلالهم، ومن عادته، رحمه الله أنه إذا ذكر اختلاف العلماء بين أدلتهم ووجهها حتى كأنه هو صاحب القول، وإن كان في الواقع لم يجزم به، أو كان على خلافه، وهذا أوضح في مناقشاته، كما في كتابه زاد المعاد، وكتابه أعلام الموقعين عن رب العالمين، ومن أظهر ذلك مناقشاته لحكم تارك الصلاة في كتاب القيم: كتاب الصلاة. والذي يدل على عدم قوله بفناء النار أمران: الأمر الأول: بيانه موقفه من تلك الآراء في فناء النار في آخر الباب المتعلق ببحث كلام العلماء في أبدية الجنة والنار، فقد قال ما نصه: "فإن قيل: فإلى أين انتهى قدمكم في هذه المسألة العظيمة الشأن، التي هي أكبر من الدنيا بأضعاف مضاعفة؟ قيل إلى قوله تبارك وتعالى: {إن ربك فعال لما يريد} وهي تكملة الآية التي لا زال شيخنا المفسر بصدد تفسيرها، وإلى هنا انتهى قدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حيث ذكر دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وما يلقاه هؤلاء وهؤلاء، وقال: ثم يفعل الله بعد ذلك ما يشاء، بل وإلى هنا انتهت أقدام الخلائق، وما ذكرنا في هذه المسألة، بل في الكتاب كله من صواب فمن الله سبحانه وتعالى، وهو المانُّ به، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريء منه، وهو عند لسان كل قائل وقلبه وقصده، والله أعلم. انتهى ص:273-274 من كتابه "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح" والذي يظهر من كلامه هذا أنه لم يجزم بشيء في هذا الأمر، بل وَكَلَ المسألة إلى الفعال لما يريد. الأمر الثاني: أنه رحمه الله صرح في كتابه: "الوابل الصيب شرح الكلم الطيب" أن النار كالجنة لا تفنى، وأن النار التي تفنى هي النار التي يعذب الله فيها عصاة المؤمنين الذين لا يخلدون في النار، وهذا نص كلامه رحمه الله: "ولما كان الناس على ثلاث طبقات: طيب لا يشوبه خبث، وخبيث لا طيب فيه، وآخرون فيهم خبث وطيب، كانت دورهم ثلاثة: دار الطيب المحض، ودار الخبث المحض، وهاتان الداران لا تفنيان، ودار لمن معه خبث وطيب، وهي الدار التي تفنى، وهي دار العصاة، فإنه لا يبقى في جهنم من عصاة الموحدين أحد، فإذا عذبوا بقدر جزائهم أخرجوا من النار، فأدخلوا الجنة، ولا يبقى إلا دار الطيب المحض ودار الخبث المحض".. انتهى من مجموعة الحديث التي طبعت بمطابع الرياض سنة 1389هـ صفحة: 639. وبهذا يعلم أن ابن القيم قطع بعدم فناء النار، وأن كلامه الذي فيه احتمال في كتاب حادي الأرواح يجب أن يفسر بكلامه الصريح المبين في كتاب الوابل الصيب، ولا شك أن فضيلة شيخنا المفسر لو اطلع على هذا النص في الوابل الصيب لأخذ به في مذهب ابن القيم، لأنه صاحب أضواء البيان الذي فسر القرآن بالقرآن، وكلام الناس يفسر بعضه بعضاً.. والله أعلم].. وهنا ترد شبهة فلسفية، يقول الملحدون: لا شك أن ربكم في غاية الإنصاف والعدل، ولكن يشكل عليه الجواب على هذا السؤال، وهو: كيف يكون عصيان الكافر في مدة قليلة جداً، وعذابه يستمر إلى ما لا نهاية؟ مع أن مقتضى العدل أن يعذب بقدر ما عصى؟ فأين الإنصاف وأين العدل؟! والجواب: أن سبب هذا الاستمرار هو ملازمة الخبث لذلك الكافر دائماً وعدم مفارقته له في أي حال من الأحوال، فهو منطوٍ عليه لا يزول، وباستمرار السبب الذي هو الخبث استمر المسبب الذي هو العذاب، والدليل على استمرار خبثه قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 27-28].. فبديمومة السبب الذي هو الكفر، دام المسبب الذي هو العذاب.



السابق

الفهرس

التالي


12347883

عداد الصفحات العام

26

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م