﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

من هنا بدأت المحاضرة السادسة والعشرون في 18/8/1384هـ
تكلمنا على نماذج من الكلام على هذه الآية، وذكرنا معها آيتي الأنعام والنبأ، وبيَّنا وجه إزالة الإشكال عن الآيات وانسجامها مع الأدلة على تخليد الكفار وأنه لا انقطاع لعذابهم. والآن نذكر الأوجه التي يحمل عليها الاستثناء في قوله تعالى: {إلا ما شاء ربك}.. أولاً: أن ما بمعنى: "مَنْ" أي إلا من شاء الله عدم خلوده من الأشقياء، وهم العصاة من المؤمنين الذين كانت لهم كبائر لم يتوبوا منها، فهم بهذا الاعتبار أشقياء، ومن المعلوم أنه لا يرد النار إلا شقي في الجملة، والشقاوة التي في الأزل لا تنافي بينها وبين هذا، فإن الشقاوة قسمان: مؤبدة دائمة ومؤقتة منقطعة، وهذه من الشقاوة المنقطعة، غاية ما في الباب أن "ما" أطلقت مراداً بها: "من"، وذلك موجود في اللغة وفي القرآن. كما قال تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء:3].. وقال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ}. [المؤمنون: 5-6].. وما روي عن بعض السلف أن النار تفنى في وقت من الأوقات يتعين حمله على هذه الطبقة التي دلت الأدلة فيها أن العصاة من الموحدين يخرجون منها. [ويدخل في ذلك حمل كلام ابن القيم الذي أشار إليه الشيخ قبلُ دخولاً أولياً لتصريحه به كما مضى]. فقد ثبت أن ناساً يخرجون من النار بعد ما صاروا فحماً. [يشير الشيخ إلى ما رواه مسلم عن أبي معبد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم، فأماتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضَبائر ـ أي جماعات ـ فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحِبَّة تكون في حميل السيل) مسلم (1/2172)]. وبهذا الوجه قال الضحاك وخالد بن معدان، والمعنى: إلا من شاء الله عدم خلوده في النار، ممن عذب وهو على التوحيد. كما قال صلى الله عليه وسلم: ( ثم تحل الشفاعة، ويشفعون حتى يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه مثقال ذرة من إيمان).. [راجع صحيح البخاري (8/173) وصحيح مسلم (1/182-184)].. ومن إطلاق: ما مراداً بها: مَنْ قوله تعالى: {وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ}. [النساء: 22].. وفي بعض الأحاديث: (سبحان ما سخركن لنا).. ثانياً: أن المراد بالاستثناء المدة التي بين خروجهم من القبور، وبين انتهائهم إلى مصيرهم، ذكره ابن جرير وغير واحد، وفيه بعد. ثالثاً: أن المستثنى بعض الأوقات التي يخرجون فيها من النار ليعذبوا بألوان من العذاب أخرى، كالزمهرير والحميم. كما قال تعالى: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} [الرحمن:44].. فالاستثناء من الخلود بهذا الاعتبار. رابعاً: أن الاستثناء في الموضعين مجمل لم يوضح فيه ما تعلقت به المشيئة فإن اللفظ مبهم، والنصوص الأخرى صرحت بأن مشيئة الله اقتضت الخلود الأبدي، فيؤخذ بما هو ظاهر، فهو كأي نص فيه إجمال بين ووضح في موضع آخر، مثاله قوله تعالى في سورة المائدة: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ}. [المائدة:1].. وضح بقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ}. [المائدة:3].. فكما أن ما يتلى مبهم بين بقوله: {حرمت عليكم} الميتة فكذلك: {إلا ما شاء} ربك مبهم بين بقوله: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} [الإسراء:97].. وغيرها من الآيات.. خامساً: أن إلا بمعنى غير، وهذا الوجه ممكن هنا في آية هود، ولكنه لا يمكن في سورة الأنعام في قوله: إلا ما شاء الله .. [الأنعام: 128، "والمعنى أنه تعالى لما قال: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض فُهم منه أنهم يكونون في النار في جميع مدة بقاء السماوات والأرض في الدنيا، ثم قال: سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم فذكر أولاً في خلودهم ما ليس عند العرب أطول منه ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له"أ.هـ. التفسير الكبير للفخر الرازي (18/65)].. سادساً: أن الاستثناء من قوله: {وأما الذين شقوا ففي النار إلا ما شاء ربك}. أي ما شاء الله من زحزحة بعضهم عن النار، وهذا غير وجيه، لأنه لا يطلق الشقي إلا على من يدخل النار. سابعاً: أن إلا بمعنى الواو، أي وما شاء ربك من الزيادة، وفي إتيان إلا بمعنى الواو خلاف، وقد قال مالك: أنها تأتي بمعنى الواو في العقود دون الإقرارات، فلو قال: بعت داري بألف إلا ثوباً يلزمه فوق الألف ثوب، ولو قال: عندي ألف إلا ثوباً تسقط قيمة الثوب (ولم يرتض الشيخ قول الشوكاني إن إلا بمعنى الكاف).. [فتح القدير (2/500)].. ثامناً: إن هذا الاستثناء الذي ندب إليه الشرع في كل كلام وهو كالقول في "إنْ" التي يعلق بها ما يعلم وقوعه يقيناً مثل قوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}. [الفتح:27].. ونحو قوله صلى الله عليه وسلم في دعاء زيارة القبور: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون).. [مسلم (2/669)].. والحكمة في هذا التعليق تعليم الخلق والتشريع لهم بأن لا يتكلموا عن المستقبل إلا مقيدين كلامهم بمشيئة الله الذي له الأمر كله، كما قال تعالى: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً (23) إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}. [الكهف: 23-24].. وأقرب هذه الأقوال: القول الأول، ويكون المراد بالذين شقوا ما يشمل الأشقياء مطلقاً، وهم الكفار، والأشقياء مؤقتاً وهم عصاة المؤمنين، فيكون من الألفاظ المشككة. ويلي هذا القَولَ القولُ بأن التقييد بالمشيئة لا يستلزم الانقطاع، وإنما نبه به على إسناد كل الأمور إليه تعالى، وهو القول الثامن، أو أنه مجمل بينته الآيات الأخرى، وهو القول الثاني، ويدخل في مثل قوله تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران:7].. والمحكمات تبين المتشابهات. {إن ربك فعال لما يريد} فَعَّال صيغة مبالغة، والعائد إلى الموصول محذوف، أي يُريده، وهو جائز، لأنه فضلة لا يضر حذفه، كما قال ابن مالك في الألفية:

ولأنه منصوب بفعل والعائد المنصوب بفعل يجوز حذفه، وكذا بالوصف وإليه أشار ابن مالك في الألفية بقوله:

في عائد متصل إن انتصب= بفعل أو وصف كمن نرجو يهب والمعنى: لا راد لقضائه تعالى، بل كل ما أراد فِعْلَه فَعَله، فهو غالب على أمره لا يغالبه أحد، وليس كالملوك الذين يعارَضون فيغلَبون. {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}. في قوله: سعدوا قراءتان سبعيتان: الأولى: بفتح السين على البناء للفاعل، ولا إشكال على هذه القراءة. الثانية: بضم السين بالبناء للمفعول، وعليها يستشكل بعضهم ذلك، لأن سعد لا يتعدى بنفسه، والصحيح أنه يتعدى بنفسه بدليل هذه القراءة السبعية الصحيحة، وبدليل صياغة اسم المفعول منه تاماً، كقولهم: مسعود، فعلى قراءة ضم السين يكون المراد أسعدهم الله، وعلى القراءة الأولى يكون المعنى صاروا سعداء، والجنة في اللغة البستان، كما قال الشاعر:

وقد أطلق ذلك في القرآن الكريم، كما قال تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ}. [القلم: 17].. وهي بستان في أطراف اليمن. وهي في اصطلاح الشرع: دار كرامة الله لعباده المؤمنين المعدة لأوليائه، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال بعضهم، هي نهر مطرد وشجرة مثمرة، وغرفة عالية وزوجة حسناء. و خالدين ماكثين. وقوله: {ما دامت السماوات والأرض}. مضى الكلام على ذلك في الآية التي قبلها. وإنما جاء قوله تعالى: {إلا ما شاء ربك}. لأن كل شيء بمشيئته، ولما كان ذلك قد يوهم الانقطاع قال: {عطاء غير مجذوذ}. والعطاء اسم مصدر من أعطى، فكان قياسه الإعطاء، وهو مفعول مطلق، أي أعطاهم عطاء، وقيل هو متعلق بالكون المحذوف، أي مستقرون في الجنة في حال كون ذلك عطاء والأول أظهر. والمجذوذ من جذه إذا قطعه، أي غير مقطوع، وهذا نص ظاهر في عدم انقطاع نعيم أهل الجنة. كما قال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ}. [ص:54].. وقال تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ}. [النحل:96].. وإنما عبر بالمشيئة، لما مضى أو المراد استثناء المدة التي بين القيام من القبور والمصير إلى مأواهم، وفي هذه الآيات من البديع ما يُسمى بالجمع والتفريق، فإنه جمع أولاً في قوله: يوم يأت لا تكلم نفس، ثم فرق في قوله: فمنهم شقي وسعيد .. ثم فصل كلا الفريقين على حدة. {فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء}. الفاء فاء الفصيحة أشعرت بجملة شرطية، أي إن عرفت مصير هؤلاء، أو مصير الخلائق، وأنهم ينقسمون إلى هذين القسمين، فلا تشك فيما يعبد أولئك الكفرة أنه كفر وضلال وباطل ووبال، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو من باب "إياك أعني واسمعي يا جارة" في قول الراجز:

و تك مضارع تكون، أصله: تكن، والقاعدة أن نونها إذا سكنت للجزم يجوز حذفها، كما قال ابن مالك في الألفية:

وبعض النحويين يخص الجواز بما إذا لم يل تكن أل، والصحيح جواز ذلك بلا قيد، والمراد: إذا عبدوا غير الله تعالى فلا يورثك فعلهم شكاً في بطلان عبادتهم ومعبوداتهم، وإن زعموا أنها تقربهم زُلفى وتشفع لهم عند الله. {ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل}. ما الأولى نافية، و ما الثانية موصولة، أي كالذي يعبده آباؤهم، وقيل مصدرية، أي كعبادة, وقوله: من قبل أي من قبلهم، فحذف المضاف إليه لفظاً ونوى معناه. {وإنا لموفوهم نصيبهم}. أصله موفيووهم، حذفت الياء التي هي لام الكلمة، فوزنه الآن مُفَعُّوهم، وحذفت نون الجمع للإضافة، على حد قول ابن مالك:

وهو مضاف إلى مفعول الأول، والمفعول الثاني نصيبهم والفاعل مستتر فيه. غير منقوص بل هو كامل.. من هنا بدأت المحاضرة السابعة والعشرون في 20/8/1384هـ قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب}. اللام موطئة للقسم، أي والله لقد، وفيه تأكيدات بليغة، هي اللام، والقسم المحذوف، وقد، وصيغة التعظيم في قوله: آتينا وظاهر الكلام أنه ابتدائي، ليس هناك منكر أن الله أعطى موسى كتاباً حتى يؤكد له هذه التأكيدات، فلم أكد الخبر؟ والجواب أن الخبر في حد ذاته قد يكون ابتدائياً، وليس المخاطب منكراً ولا متردداً ولكنه يعمل أعمال المنكر، فينـزل منـزلته، فيؤكد له الخبر، ومنه قول الشاعر:

والذين يكفرون بالقرآن أو بكتاب موسى هم كافرون بالجميع، ولا شك أنه قد يكون هناك منكرون، بدليل قوله تعالى: {فاختلف فيه} فقد يكون منهم المنكر، ومنهم المتردد، ومنهم المصدق، وهذا قد يكون عاملاً، وقد يكون مخالفاً، فيؤكد لذلك، كما قيل:

{فاختلف فيه}. الجار والمجرور نائب فاعل، والأصل: فاختلف قومه فيه، فلما حذف الفاعل أقيم المعمول مقامه وهو الجار والمجرور على حد قول ابن مالك في الألفية:

ولا يوجد هنا مفعول به، فإنَّ اختلف لازم تعدى إلى المعمول بحرف الجر، على حد قول ابن مالك في الألفية:

والمعنى: اختلف قومه فيه، منهم المنكر، ومنهم المصدق، ومنهم العامل والتارك للعمل. {ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم}. أي لولا أن ربك قد حكم بتأجيل العذاب لعجله لهم، والكلمة لا تطلق في القرآن إلا على الكلام المفيد، وقول ابن مالك: "وكلمة بها كلام قد يؤم".. بصيغة التقليل، ليس المراد به إصطلاح القرآن واللغة، بل المراد في الاصطلاح النحوي الخاص. قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً} [المؤمنون: 99-100].. وقال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأعراف:127].. يعني قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ}. [القصص:5].. ومعنى الآية: لولا كلمة سبقت، أي سبقها كائن في علم الله وقضائه الأزلي، وذلك بتحديد العذاب وتأخيره إلى يوم القيامة، لولا ذلك لعجله الله تعالى. كما قال تعالى: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَعْدُودٍ}. [الآية: 104 من هذه السورة].. {لقضي بينهم}. أي لقضى الله تعالى بينهم، وفي هذا إشارة إلى ما صرح به في سورة الأنعام، إذ يفهم من الآية هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم يستعجل الانتقام منهم، حيث إنه ذكر أنه لولا المانع مما تريدون لنفذناه، وهو ما نص عليه في الأنعام بقوله: {قُلْ لَوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ} [الأنعام: 58].. والذي كانوا يستعجلون به ـ وهو المفهوم من آية هود هذه المصرح به في آية الأنعام ـ هو العذاب، كما صرح الله سبحانه وتعالى بذلك عنهم في سورة ص بقوله تعالى: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} [ص:16].. والقط كتاب الملك بالجائزة، كما قال الشاعر:

ومعنى: يأفق، يفضل بعض الناس على بعض. وقال تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمْ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (53) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 53-54].. وقد صرح الله تعالى بأن ما يستعجل به الكفار لو كان بيده صلى الله عليه وسلم لعجل به، مع أنه ثبت في الصحيح أنه لما جاء ملَك الجبال وقال للرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين".. [جبلا مكة: أبو قبيس والذي يقابله]. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً).. [البخاري (4/83) ومسلم (3/1420-1421)].. فما وجه الجمع بين ما دلت عليه الآيات وبين ما دل عليه هذا الحديث؟ والجواب هو ما ذكره ابن كثير [تفسير القرآن العظيم (2/137) وهذا ما قاله ابن كثير: بعد أن ذكر وجه الإشكال بين آية الأنعام: 58 والحديث، قال: "فالجواب والله أعلم أن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه حال طلبهم له لأوقعه بهم، وأما الحديث فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم، بل عرضه عليه ملك الجبال.. فلهذا استأنى بهم وسأل الرفق"]. وذكر بعض العلماء أن لكل مقام مقالاً، وبين مقام تمكنه ومقام استعجاله فرق ظاهر، فمقام الآية يُعبر عن وقت استعجاله صلى الله عليه وسلم بالعذاب حينما تمردوا، فلو مكن منه في هذا الوقت لأوقعه بهم، أما مقام مجيء الملَك إليه فكان مقام أمل ورجاء في هدايتهم، ولذلك دخلته الشفقة عليهم، وظاهر الآية أن تأخير ذلك عن الكفار لأنه بيد الله وليس بأيدي الرُسُل منه شيء. كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ}. [غافر:78].. واللام في قوله: لقضي جواب لولا.. {وإنهم لفي شك منه مريب}. أي قوم موسى في شك من التوراة أو قوم محمد صلى الله عليه وسلم في شك من القرآن، ولا شك أنهم كلهم، قوم موسى وقوم محمد صلى الله عليه وسلم، منهم الشاك ومنهم المصدق. والشك في أصل اللغة يطلق على الظن وما دونه، والتفرقة بين الشك والظن والوهم اصطلاح للفقهاء، فيقولون: إن كان الاعتقاد كاملاً فهو اعتقاد صحيح، كاعتقاد المسلمين حدوث العالم، وإلا فاعتقاد فاسد كاعتقاد الفلاسفة عدم حدوث العالم، وإن كان غير كامل، فإن كان الاعتقاد سارياً فهو الشك، وإن كان غالباً فهو الظن، وإن كان الباقي عن الاعتقاد أكثر فهو الوهم. أما القرآن فيطلق الشك ويشمل الظن، كما يطلق الظن ويشمل الشك. كما قال تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}. [يونس:36].. والشك هنا عدم اليقين، يصدق على الشك الاصطلاحي وعلى الظن. والضمير في قوله: منه يعود إلى كتاب موسى، إن كان المراد بالضمير في قوله: وإنهم قومه، أو يعود إلى القرآن، إن كان الضمير يعود لقوم الرسول صلى الله عليه وسلم. والمريب اسم فاعل أراب، وهو نعت لشك، أي موقع في الريبة، وأصل الريبة في اللغة الإزعاج والإقلاق، ومنه قول الشاعر: وكنت إذا ما جئت ليلى تفرقعت،،وقدرا بنى منها الغداة سفورها وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في طريقه إلى الحج فإذا ظبي حاقف [أي واقف منحن رأسه بين يديه] في ظل فيه سهم، فأمر رجلاً أن يقف عنده لا يَرِيبه أحد من الناس حتى يجاوزه. [الموطأ: (1/351) والنسائي (5/143-144)]. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة). [الترمذي: (4/668) وقال: هذا حديث حسن صحيح].



السابق

الفهرس

التالي


12348179

عداد الصفحات العام

322

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م