﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

المبحث الثالث: سبب القول بكل من المذهبين، وإمكان الجمع بينهما:
إن الذي يتأمل واقع السلف - ولاتهم وأهل الحل والعقد منهم - بما كان عندهم جميعاً من خوف لله وتقوى وعلم نافع، ومحبة الخير للإسلام والمسلمين، وما جد بعد ذلك من ضعف إيمان وقلة العلم، بل والجهل بأعظم أحكام الإسلام، من قبل أكثر ولاة أمور المسلمين، وضعف التقوى وقلة إرادة الخير للإسلام والمسلمين. إن الذي يتأمل ذلك يظهر له أن ولاة أمر المسلمين في الماضي، كانت تتوافر فيهم شروط الولاية والخلافة، وأن ولاتهم في العصور المتأخرة فقدوا تلك الشروط أو أغلبها إلا من رحم ربك، وأصبح الذين يتولون أمور المسلمين يتولونها غصبا،ً وليس رضاً وطواعية في أغلب الشعوب الإسلامية، وأكثر من يتولون أمورهم متصفون بأضداد شروط الولاية العامة، من جهل، وظلم وخيانة، وضعف، واتخاذ بطانة سوء، واجتهاد في مصالح شخصية، وتفريط في حقوق الرعية، وغير ذلك من النقائص. كما أن أكثرهم يقفون ضد الإسلام، بدلاً من نصره أو السكوت عنه على الأقل، وقد جلب أولئك الولاة الذين هذه صفاتهم، كوارث على شعوبهم من جميع الجوانب: الدينية، والاجتماعية، والفكرية، والسياسية، والاقتصادية، والعسكرية، وأصبح المسلمون بسبب ذلك في ذلٍّ وهوان، فقدوا عزَّتهم وقادهم أعداؤهم، وذلوا لشذاذ الآفاق وأراذل البشر من اليهود، كما هو وقع المسلمين اليوم. وقد توجد جماعات إسلامية - يقترب بعضها إلى الإسلام أكثر من بعض - ولكنها لا قوة لها، وقد يكون قادتها أو قادة بعضها، ليس على المستوى الذي كان عليه قادة المسلمين في الماضي من فقه شرعي وقوة إيمان وورع. إن المتأمل في واقع السلف في الماضي، وواقع المسلمين الآن، سواء على مستوى بعض الحكومات أم على مستوى الجماعات والأحزاب، يرى أن لكتاب العصر الحاضر في إلزام ولي الأمر وجهاً من الصواب، وأنه لا بد من أن توضع حدود وشروط لتدبير ولاة الأمر وقيادتهم لشعوبهم أو لجماعاتهم، حتى لا يستبدوا بالأمر دونهم، وليسوا أهلاً لذلك، وأن الظروف المعاصرة تحتاج إلى رأي جماعي يكون الصواب فيه أكثر من الخطأ. فلقد نظر هؤلاء الكتاب إلى أسلوب الأخذ برأي الأغلب في بعض البلدان الأجنبية، وقارنوا بينه وبين الاستبداد الذي يُتَّبَع في أغلب الشعوب الإسلامية، فوجدوا أن أسلوب الأخذ بالرأي الأغلب أنفع وأقل ضرراً من الاستبداد. وعندما رجعوا إلى المصادر الإسلامية، وجدوا ذلك القلب الرؤوف الرحيم، وذلك العقل العظيم والخلق الفاضل، الذي فُسِّر به القرآن الكريم، قدوة حسنة للناس، وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من مشاورة أصحابه ويستجيب لرأيهم في بعض الأحيان وفي بعض الأمور التي هي محل للاجتهاد. ووجدوا بعض الألفاظ التي فيها نوع احتمال لما ذهبوا إليه، فقرروا تلك القاعدة: وهي إن الشورى إذا صدرت عن أغلب أهلها تكون ملزمة لولي الأمر، وهدفهم من ذلك تقييد سلطة ولي الأمر الذي لا تتوافر فيه شروط الولاية والإمارة، حتى لا يشتط ويخرج عن الحدود المقررة له. ولا شك في رجحان ما ذهبوا له في هذه العصور المتأخرة التي اغتصبت فيها أمور المسلمين، واستبد بها المستبدون، حتى لم تبق ضرورة من ضرورات الحياة، إلا تعرضت للاعتداء والانتهاك. ولو أن الكتاب المعاصرين قيدوا هذا الحكم وهو كون الشورى ملزمة بظروف المسلمين المعاصرة، وما أشبهها حيث لا يكون معظم ولاة الأمور متصفين بالصفات التي كان يتصف بها ولاة الأمور في السابق، لو أنهم قيدوا الحكم بذلك، لما كان للاعتراض عليهم وجه، ولكنهم أطلقوا ذلك وجعلوه قاعدة، فاقتضى التحقيق بيان الحق فيه. وقد نبه على ذلك الدكتور عبد الكريم زيدان في كتابه: "مجموعة بحوث فقهية". [1] وهو من الذين يرون أن نتيجة الشورى ليست ملزمة لولي الأمر - في الأصل - فقال: "الرأي الثالث (وهو الأخذ برأي رئيس الدولة مطلقاً) قوي سديد من الناحية النظرية، ولكن لضرورات الواقع، وتغير النفوس ورقة الدين وضعف الإيمان، وندرة الأكفاء الملهمين كل هذا يقتضينا أن نأخذ بالرأي الثاني (وهو الأخذ برأي الأكثرية) فنلزم رئيس الدولة برأي الأكثرية". [2]. ولما كان يرى – في الأصل – عدم إلزام ولي الأمر برأي الأكثرية، ولما يعلم بما في إلزامه من مشكلات قد تحدث بينه وبين رعيته، فقد اقترح ثلاثة شروط لإلزامه برأي الأكثرية: الشرط الأول: أن يعطي ولي الأمر الحق في إحالة الأمر المختلف فيه إلى هيئة تحكيم يتفقون عليها. الشرط الثاني: أن يكون له الحق - إذا لم يقتنع برأي هيئة التحكيم - أن يجري استفتاءً عاماً في الموضوع المختلف فيه. فإن أيدته الأمة نفذ رأيه، وإن لم تؤيده بل أيدت رأي الأكثرية التزم به. الشرط الثالث: أن يعطي حرية الرأي الذي يراه في الأمور الاستثنائية العاجلة، كحالة الحرب، أو حدوث خطر داهم يهدد سلامة البلاد دون تقيد برأي غيره. [3]. قلت: هذه الشروط التي تضمنها هذا الحل، لا أرى مانعاً يمنع منها شرعاً، لأنها إذا اتفق عليها ولي الأمر وأهل الحل والعقد من رعيته عند بيعته، تصبح عقداً لازماً يجب الوفاء به، والأصل في العقود الإباحة، إلا ما دل دليل صحيح على حظره. قال ابن تيمية رحمه الله: "وبالجملة فجميع ما ينفع الناس من الشروط، والعقود، والمحالفات في الأخوة وغيرها، ترد إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فكل شرط يوافق الكتاب والسنة يوفَّى به: "ومن اشترط شرطاً ليس في كتاب الله، فهو باطل وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق وشرطه أوثق". [4]. إلى أن قال رحمه الله: "وكذا في شروط البيوع والهبات، والوقوف، والنذور، وعقود البيعة للأئمة، وعقود المشايخ، وعقود المتآخين، وعقود أهل الأنساب، والقبائل وأمثال ذلك، فإنه يجب على كل أحد أن يطيع الله ورسوله في كل شيء ويجتنب معصية الله ورسوله في كل شيء، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". [5]. فإذا تعاقد المسلمون في بيعتهم لولي الأمر على أن يلتزم برأي الأكثرية، أو بنصب محكمة علياً تحكم بينه وبينهم في الأمور المختلف فيها ويكون حكمها ملزماً للجميع، بشرط أن تكون أهلاً لذلك، فإن هذا العقد لا يخالف كتاباً ولا سنة ولا إجماعاً. بل فيه مصلحة واستيثاق للراعي والرعية. وبهذا يجتنب المحظور الذي جعل بعض كتاب العصر يجزمون بأن حكم الأغلبية ملزم لولي الأمر، دون أن يقيدوا ذلك الحكم بظروف معينة، كأوضاع المسلمين الراهنة. ولا يفوتنا مع ذلك أن نقول كلمة حق، وهي أن هذه الشروط لا يطمع في أن ينفذها غالب ولاة أمور المسلمين في كثير من الشعوب الإسلامية، بدليل أنهم لا يلتزمون لشعوبهم بتنفيذ قوانين وضعوها هم تحقق مصالحهم قبل غيرهم، فإذا رأوا أن مصلحتهم المتوهمة لا تتحقق بتلك القوانين في ظرف من الظروف احتالوا عليها بغيرها، إما بقوانين جديدة تنسخها، وإما بإعلان الأحكام العرفية وتعليق تلك القوانين. فكيف يطمع فيهم أن ينفذوا شروطاً يعلمون أنها قد لا تحقق لهم مصالحهم المبنية على أهوائهم ؟!. ومع ذلك يجب أن يحرص أهل الحل والعقد على الاستفادة من القوانين التي يضعها الحكام، فيما يحقق بعض المصالح ويدفع بعض المفاسد، لأن الضرورة تحتم عليهم تكثير المصالح وتقليل المفاسد حسب الإمكان. وقد تكون هذه الشروط صالحة التطبيق على مستوى جماعات أو أحزاب أو نقابات، لاضطرارهم إليها، وهم أكثر تطبيقاً لها من الحكومات، كما هو واضح.
1 - وهو فيما يبدو من تاريخ مقدمته "1395هـ" متأخر عن كتابه "أصول الدعوة" الذي كانت طبعته الأولى سنة 1388هـ
2 - المرجع المذكور ص106ـ108
3 - المرجع السابق ص108
4 - جزء من حديث عن عائشة، البخاري (3/127) ومسلم (2/1141ـ1142)
5 - مجموع الفتاوى (35/97) وراجع (38/386) منه



السابق

الفهرس

التالي


12445275

عداد الصفحات العام

5720

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م