﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

اقتداء الصحابة بنبيهم في تحديد الوظائف والاختصاصات..
وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحددون وظائف عمالهم، إما تفويضاً وإما تنفيذاً. فقد جعل أبو بكر رضي الله عنه لأنقاب المدينة حراساً، بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم وارتداد العرب، ليقوموا بحراستها وألزم أهل المدينة بحضور المسجد للاستعداد لمواجهة العدو إذا أغار على المدينة.. وعندما أغار الأعداء على المدينة، خرج أبو بكر في أهل المدينة وأمراء الأنقاب، وعبأ جيشه ليلاً وكلف على كل جهة من جهة جيشه مسؤولاً معيناً، فجعل على الميمنة النعمان ابن مقرن، وعلى الميسرة أخاه عبد الله، وعلى الساقة أخاهما سويداً، وكان النصر. [1]. وكذلك فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فعين في عام الرمادة أمراء على نواحي المدينة، لتفقد أحوال الناس الذين اجتمعوا حولها طلباً للرزق لشدة ما أصابهم من القحط والجوع.. فكانوا يشرفون على تقسيم الطعام والإدام على الناس، وإذا أمسوا اجتمعوا عنده فيخبرونه بكل ما كانوا فيه، وهو يوجههم.. روى أسلم أنه لما كان عام الرمادة تجلَّبتْ العرب من كل ناحية، فقدموا المدينة، فكان عمر بن الخطاب أقر رجالاً يقومون عليهم ويقسمون عليهم أطعمتهم وإدامهم.. فكان يزيد بن أخت النمر، وكان المسور بن مخرمة، وكان عبد الرحمن ابن عبد القاري، وكان عبد الله بن عتبه بن مسعود.. فكانوا إذا أمسوا اجتمعوا عند عمر فيخبرونه بكل ما كانوا فيه، وكان كل رجل منهم على ناحية من المدينة، وكان الأعراب حلولاً فيما بين رأس الثنية إلى رابح، إلى بني حارثة إلى بني عبد الأشهل، إلى البقيع، إلى بني قريظة.. ومنهم طائفة بناحية بني سلمة محدقون بالمدينة. فسمعت عمر يقول ليلة - وقد تعشى الناس عنده -: أحصوا من تعشى عندنا، فأحصوهم من القابلة، فوجدوهم سبعة آلاف رجل.. وقال: أحصوا العيالات الذين لا يأتون والمرضي والصبيان، فأحصوا فوجدوهم أربعين ألفا ثم مكثنا ليالي، فزاد الناس فأمر بهم فأحصوا، فوجدوا من تعشى عنده عشرة آلاف، والآخرين خمسين ألفاً". [2]. فقد عين عمر لكل ناحية من المدينة رجلاً من رجاله، للإشراف على تقسيم الطعام والإدام وجمع المعلومات وإحصاء الناس لمعرفة مقادير ما يحتاجون إليه من الطعام، وتلك كما هو معلوم وظائف محددة. وإن الذي يتأمل تعبئة خالد بن الوليد رضي الله عنه جيشه في وقعة اليرموك وتقسيم جيشه وتحديد مسؤولياتهم مع أمرائهم ليرى العجب العجاب من تقسيم الأعمال وتحديد الوظائف تحديداً دقيقاً.. قال ابن كثير رحمه الله: "وخرج خالد في تعبئة لم تعبها العرب قبل ذلك، فخرج في ستة وثلاثين كردوساً إلى الأربعين، كل كردوس ألف رجل، عليهم أمير. وجعل أبا عبيدة في القلب، وعلى الميمنة عمرو بن العاص، ومعه شرحبيل بن حسنة، وعلى الميسرة يزيد بن أبي سفيان.. وأمر على كل كردوس أميراً، وعلى الطلائع قباب بن أشيم، وعلى الأقباض عبد الله بن مسعود، والقاضي يومئذ أبو الدرداء، وقاصهم الذي يعظهم ويحثهم على القتال أبو سفيان بن حرب، وقارئهم الذي يدور على الناس فيقرأ سورة الأنفال وآيات الجهاد المقداد بن الأسود. وعلى الخيالة خالد بن الوليد، وهو المشير في الحرب الذي يصدر الناس كلهم عن رأيه". [3]. هذه أمثلة قليلة في تحديد الاختصاصات من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه، والواقع أن ذلك أمر مقرر لا تقوم سياسة الأمة بدونه، ولذلك يصعب تتبعه في السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين وغيرهم من أمراء المسلمين في سلمهم وحربهم. لأن كل أمير وقاض أو رسول كان مسؤولاً مسؤولية محددة معروفة إما تفويضاً وإما تنفيذاً. وعلى هذا بنى العلماء تقسيمهم الوزارة قسمين: القسم الأول: وزارة التفويض، وهي أن يستوزر الإمام من يفوض إليه تدبير الأمور برأيه، وإمضائه على اجتهاده. القسم الثاني: وزارة التنفيذ، وهي أن يكون الوزير وسطاً بين الإمام ورعاياه وولاته، ليؤدي عنه ما أقَر، وينفذ عنه ما ذكر، ويمضي ما حكم ويخبر بتقليد الولاة وتجهيز الجيوش، ويعرض عليه ما ورد من مُهِم وتحَدَّدَ مِنْ حَدَثٍ مُلِمْ.. والتدبير والرأي للإمام وليس للوزير. [4]. ويترتب على تحديد الوظائف وتقسيم العمل معرفة قيام الولاة بمسؤولياتهم، لأن الوظيفة المحددة للشخص تجعله مسئولا عنها أمام ولي الأمر، إذ لا يستطيع أن يحمل غيره مسؤوليته عن وظيفته المحددة إذا حصل تقصير.. وذلك حافز على قيام العامل بعمله، ومؤد إلى معرفة المتواني عن العمل ليحاسب عليه، بخلاف ما إذا كانت الوظائف غير محددة، فإن كل واحد من العاملين قد يتوانى عن أدائها موكلاً أمرها إلى غيره، وقد يجتهد كل منهم في القيام بالوظيفة فيتعارض اجتهادهم الوارد على الوظيفة الواحدة فيحصل بينهم خلاف يؤدي إلى الفوضى. لهذا كان من أهم صفات ولي الأمر التي تجعله كفؤاً للولاية، أن يكون قادراً على تحديد الأعمال والوظائف وتقسيمها على ولاته. ولعل في قول يوسف عليه السلام للعزيز عندما طلبه وقال له: {..إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ}. وقد فهم يوسف عليه السلام أنه يريد منه إعانته في ملكه، فقال له: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}. [يوسف: 53-54]. لعل في قوله هذا إشارة إلى أنه لا بد من تحديد العمل الذي يراد إسناده إلى الموظفين، لأن العزيز لم يحدد ليوسف عملاً معيناً، فطلب يوسف أن يحدد له عمله بالقيام على خزائن الأرض. وقد دلت التجارب الإدارية أن تقسيم العمل وتحديد قواعده من أهم عوامل النجاح، وأن عدم الوضوح يؤدي إلى احتكاك الموظفين واعتداء بعضهم على اختصاصات بعض.. لذلك كان تحديد الوظيفة وواجباتها وتمييزها عن غيرها، من أول ما يعنى به ولي الأمر. [5]. والخلاصة: أن تقسيم الوظائف وتحديدها سنة كونية وسنة شرعية، والذي لا يقسم الوظائف على العاملين يخالف السُّنَّتَين، وهو جدير بالتعب الجسدي والإرهاق العقلي والفشل الإداري، لأن طاقته محدودة، وهو لذلك غير قادر على تدبير الأمور بمفرده، وفي عمله ذلك تجميد للطاقات وحرمان للأمة من نشاط أبنائها الأكفاء.. وفي عدم تقسيم الوظائف وعدم تحديد اختصاصات كل موظف إيهام يؤدي إلى التواكل والاعتداء على اختصاصات الآخرين، وذلك جدير بإحداث الفوضى والخلاف والفشل كذلك. فلابد من تقسيم الوظائف على أكفاء، ولابد من تحديد عمل كل موظف. والذي لا توجد فيه هاتان الصفتان ناقص الكفاءة نقصاً قد يؤدي إلى شلل ولايته شللاً تاماً.
1 - البداية والنهاية لابن كثير (6/312-313)
2 - الطبقات الكبرى لابن سعد (3/316)
3 - انظر البداية والنهاية (7/7-8)
4 - راجع الأحكام السلطانية للماوردي ص23-29
5 - راجع كتاب مبادئ علم الإدارة العامة (145) طبع ونشر دار الفكر العربي 1969م، لسليمان محمد الطماوي، والعلاقات الإنسانية في الإدارة ص253، نشر مكتبة القاهرة الحديثة لصالح الشبكشي، 1969م، والقيادة الإدارية الحديثة لأحمد الشنتاوي ص42-43



السابق

الفهرس

التالي


12354404

عداد الصفحات العام

9

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م