[
الصفحة الرئيسية
] [
حول الموقع
] [
تعريف بصاحب الموقع
]
﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب
::
66- سافر معي في المشارق والمغارب
::
(34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف
::
(033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف.
::
(067) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(066) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف
::
(065) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث
::
::
::
::
::
::
::
::
::
::
جملة البحث
جميع محتويات الموقع
المقالات العامة
مقالات الحدث
الجهاد في فلسطين
2 أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع المسلم
المقالات العامة
الإيمان هو الأساس
غيث الديمة الجزء الأول
غيث الديمة الجزء الثاني
حوارات مع أوربيين مسلمين
حوارات مع أوربيين غير مسلمين
الحدود و السلطان
حكم زواج المسلم بالكتابية
رحلة هونج كونج
جوهرة الإسلام
كتاب الجهاد
المسئولية في الإسلام
دور المسجد في التربية
كتاب سبب الجريمة
كتاب الشورى في الإسلام
كتاب السباق إلى العقول
الإيمان إصطلاحاً و أثره سلوكاً
كتاب طل الربوة
كتاب الوقاية من المسكرات
الكفاءة الإدارية
معارج الصعود إلى تفسير سورة هود
مقدمة سلسلة في المشارق و المغارب
المجلد الأول : رحلات الولايات المتحدة الأمريكية
المجلد الثاني : رحلات المملكة المتحدة (بريطانيا) و آيرلندا
المجلد الثالث : رحلات اليابان وكوريا وهونغ كونغ
المجلد الرابع:رحلات إندونيسيا الجزء الأول 1400هـ ـ 1980م
المجلد الخامس : الرحلة إلى إندونيسيا الجزء الثاني 1410هـ ـ 1990م
المجلد السادس : رحلات إندونيسيا الجزء الثالث 1419هـ ـ 1989م
المجلد السابع : رحلات أستراليا و نيوزيلاندا و سريلانكا
المجلد الثامن : رحلات كندا و إسبانيا
المجلد التاسع : رحلات سويسرا و ألمانيا و النمسا
المجلد العاشر : رحلات بلجيكا و هولندا و الدنمارك
المجلد الحادي عشر:رحلات السويد و فنلندا و النرويج
المجلد الثاني عشر : رحلات فرنسا و البرتغال و إيطاليا
المجلد الثالث عشر : رحلات سنغافورة و بروناي و تايوان
المجلد الرابع عشر : رحلات باكستان و الهند
المجلد الخامس عشر : رحلات تايلاند (بانكوك)
المجلد السادس عشر : الرحلة إلى ماليزيا
المجلد السابع عشر : رحلات الفلبين
المجلد الثامن عشر : رحلة كينيا
الفهرس
(1) مقصد الوحي ووظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم وموقف قومه منه..
{الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4) أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمْ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (8) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11).}
الحمد لله والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه في ربه إلى يوم لقاه.. أما بعد.. فليعلم أنه قد فاتتني المحاضرة الأولى التي ألقاها فضيلة الشيخ المفسر، وكانت تتعلق بالبسملة وبقوله تعالى: الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت .. لذلك اضطررت أن أسجل باختصار ما يتيسر لسد الفراغ مستعيناً بالله ثم بمعلوماتي عن فضيلة الشيخ في ذلك مما سمعته عنه في مناسبات . إن كتابه أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن الذي لو كان تفسيراً كاملاً لسور القرآن الكريم لما دعت الحاجة إلى كتابة تفسير هذه السورة الكريمة مما سمعناه منه مشافهة، فأقول وبالله تعالى التوفيق: اعلم أن العلماء اتفقوا على أن البسملة جزء من آية في سورة النمل واختلفوا فيما عدا ذلك. فذهب الإمام الشافعي رحمه الله أنها آية في سورة الفاتحة، وتردد فيها في السور الأخرى، فتارة قال إنها آية من كل سورة، ومرة قال ليست بآية إلا في سورة الفاتحة.. وذهب الإمام مالك رحمه الله أنها ليست آية من كل سورة، وأخذ بكل قول من هذه الأقوال بعض العلماء.. [راجع تفسير: "الجامع لأحكام القرآن" للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، رحمه الله (1/93)]. وقد أفاض المفسرون في تفسير البسملة وما يتعلق بها من أحكام سواء في قراءتها في الصلاة جهراً أو سراً أو غير ذلك، ولا يتسع المقام لسرد ذلك ويمكن لمن أراد الاطلاع أن يراجع كتب التفسير. [راجع تفسير القرطبي المذكور آنفاً (1/91 ـ107) وأحكام القرآن للإمام أبي بكر أحمد بن علي الجصاص (1/6-18) وأحكام القرآن لأبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي (1/2-4)]. وقال شيخنا رحمه الله ـ في تفسير سورة الفاتحة ـ قوله الله تعالى: الرحمن الرحيم هما وصفان لله تعالى، واسمان من أسمائه الحسنى، مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحمن أشد مبالغة من الرحيم، لأن الرحمن هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا وللمؤمنين في الآخرة، والرحيم ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة، وعلى هذا أكثر العلماء، وفي كلام ابن جرير ما يفهم منه حكاية الاتفاق على هذا.. [جامع البيان عن تأويل آي القرآن لأبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي (1/2-4)]. وفي تفسير بعض السلف ما يدل عليه، كما قاله ابن كثير. [تفسير القرآن العظيم (1/17-21)]. ويدل له الأثر المروي عن عيسى كما ذكره ابن كثير وغيره، أنه قال عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: (الرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة). [تفسير القرآن العظيم (1/17-21)]. وقد أشار تعالى إلى هذا الذي ذكرنا حيث قال: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ.. [الفرقان:59]. وقال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5]. فذكر الاستواء باسمه "الرحمن" ليعم جميع خلقه برحمته، قاله ابن كثير.. [تفسير القرآن العظيم (1/21)]. ومثله قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ أي ومن رحمانيته لطفه بالطير وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء. ومن أظهر الأدلة في ذلك قوله تعالى: الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ إلى قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: 1-13]. وقال: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً [الأحزاب:43]. فخصهم باسمه "الرحيم" فإن قيل: كيف يمكن الجمع بين ما قررتم وبين ما جاء في الدعاء المأثور: (رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما).. فالظاهر في الجواب ـ والله أعلم ـ أن الرحيم خاص بالمؤمنين كما ذكرنا، لكنه لا يختص بهم في الآخرة بل يشمل رحمتهم في الدنيا أيضاً، فيكون معنى رحيمهما رحمته ـ بالمؤمنين فيهما. والدليل على أنه رحيم بالمؤمنين في الدنيا أيضاً أن ذلك هو ظاهر قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً [الأحزاب: 43]. لأن صلاته عليهم وصلاة ملائكته وإخراجه إياهم من الظلمات إلى النور رحمة بهم في الدنيا، وإن كانت سبب الرحمة في الآخرة أيضاً.. وكذلك قوله تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: 117]. فإنه جاء فيه بالباء المتعلقة بالرحيم جارة للضمير الواقع على النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار، وتوبته عليهم رحمة في الدنيا، وإن كانت سبب الرحمة في الآخرة أيضاً.. [أضواء البيان (1/101-102)]. قوله تعالى: الر هذا من الحروف المقطعة في أوائل السور وللعلماء فيها قولان رئيسيان: القول الأول: أن لها معاني لا يعلمها إلا الله، فلا يجوز الخوض فيها لأحد لأن هذه الحروف مما لم يعهد في كلام العرب التعبير بها على نحو ما ورد في القرآن الكريم، ولم يبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأصل فيما لا يعرف عن طريق الشرع واللغة تفويضه إلى الله تعالى.. فهي من المتشابه الذي انفرد الله سبحانه وتعالى بعلمه.. قال القرطبي رحمه الله: اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السور فقال عامر الشعبي، وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين: هي سر الله في القرآن ولله في كل كتاب من كتبه سر.. فهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه، ولا يجب أن يُتكلم فيها ولكن نؤمن بها ونقرأ بها ونقرأ كما جاءت، وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.. [الجامع لأحكام القرآن (1/154)، وراجع تفسير ابن كثير (1/35-36)]. القول الثاني: أن لها معاني معروفة عند العلماء، وليست من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه ـ عند قول من يقول: إن المتشابه لا يعلمه إلا الله ـ أو أن معانيها معلومة ـ ولو كانت من المتشابه عند من يقول: إن الراسخين في العلم يعلمون المتشابه.. [راجع أقوال المفسرين للآية الكريمة:
{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}
آل عمران: 7، في تفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/346) وغيره وأضواء البيان]. وقد اختلف أهل هذا القول اختلافاً كثيراً في المراد بهذه الحروف فقال بعضهم: إنها أسماء للسور المفتتحة بها.. وقال آخرون: إنها أسماء لله تعالى.. وقال جماعة: إنها أسماء للرسول صلى الله عليه وسلم.. ورجح بعض المحققين أن المقصود من هذه الحروف الإشارة إلى عجز العرب عن الإتيان بمثل هذا القرآن الذي يتألف من نفس الحروف التي يتألف منها كلام العرب. ويشهد لهذا ذكر القرآن الكريم بعد هذه الحروف في السور المفتتحة بها، ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره. [راجع الجامع لأحكام القرآن (1/155) وتفسير القرآن العظيم (1/38) والكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل (1/95) وما بعدها]. وإليه مال شيخنا المفسر رحمه الله فقال: "وأما القول الذي يدل استقراء القرآن على رجحانه، فهو أن الحروف المقطعة ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بياناً لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يخاطبون بها، وحكى هذا القول الرازي في تفسيره. [(2/6)] عن المبرد وجمع من المحققين، وحكاه القرطبي [سبق ذكر هذا المرجع في الصفحات السابقة] عن الفراء وقطرب ونصره الزمخشري في الكشاف قال ابن كثير: وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية. ووجه شهادة استقراء القرآن لهذا القول أن السور التي افتتحت بالحروف المقطعة يذكر فيها دائماً عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن وبيان إعجازه، وأنه الحق الذي لا شك فيه.. وذكر ذلك بعدها دائماً دليل استقرائي على أن الحروف المقطعة قصد بها إظهار إعجاز القرآن وأنه حق، فقال: "ووجه شهادة استقراء القرآن لهذا القول: أن السور التي افتتحت بالحروف المقطعة يذكر فيها دائماً عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن وبيان إعجازه، وأنه الحق الذي لا شك فيه. وذكر ذلك بعدها دائماً دليل استقرائي على أن الحروف المقطعة قصد بها إظهار إعجاز القرآن، وأنه حق. ثم ساق رحمه الله الحروف المقطعة التي ذكرت في أوائل السور من سورة البقرة إلى سورة ق والقرآن المجيد.. قال تعالى في البقرة:
{الم}
وأتبع ذلك بقوله
{ذلِكَ ?لْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ}
وقال في آل عمران
{الم}
واتبع ذلك بقوله:
{اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَي الْقَيُّوم ُنَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتبَ بالْحَقِّ}
. وقال في الأعراف:
{المص}
ثم قال:
{كِتبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ}
الآية. وقال في سورة يونس:
{الر}
ثم قال:
{تِلْكَ ءاياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ}
وقال في هذه السورة الكريمة التي نحن بصددها أعني سورة هود
{الر}
ثم قال:
{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءاياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}
، وقال في يوسف:
{الر}
ثم قال:
{تِلْكَ ءايَاتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ}
{إِنّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا}
. وقال في الرعد:
{المر}
ثم قال:
{تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحَقُّ}
، وقال في سورة إبراهيم
{الر}
ثم قال:
{كِتَابٌ أَنزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناسَ مِنَ الظُّلماتِ إِلَى النُّورِ}
. وقال في الحجر:
{الرَ}
ثم قال
{تِلْكَ ءاياتُ الْكِتابِ وَقُرْءَانٍ مُّبِينٍ}
وقال في سورة طه
{طه}
ثم قال:
{مَاأَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى}
وقال في الشعراء:
{طسم}
ثم قال
{تِلْكَ ءَاياتُ الْكِتابِ المُبِينِ لَعَلَّكَ باخِعٌ نَّفْسَكَ}
. وقال في النمل:
{طس}
ثم قال
{تِلْكَ ءَاياتُ الْقُرْءَانِ وَكِتابٍ مُّبِينٍ}
وقال في القصص
{طسم}
ثم قال
{تِلْكَ ءَاياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ}
{نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى? وَفِرْعَوْنَ}
. وقال في لقمان
{الم}
ثم قال
{تِلْكَ ءاَياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ}
{هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ}
وقال في السجدة
{الم}
ثم قال
{تَنزِيلُ الْكِتابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}
وقال في يس
{يس}
ثم قال
{وَالْقُرْءَانِ الحَكِيمِ}
وقال في ص
{وَالْقُرْءَانِ ذِي الذِّكْرِ}
وقال في سورة المؤمن
{حم?}
ثم قال
{تَنزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}
. وقال في فصلت
{حم?}
ثم قال
{تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ ءَاياتُهُ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}
وقال في الشورى
{حمعسق?}
ثم قال
{كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الذِينَ مِن قَبْلِكَ}
وقال في الزخرف
{حم?}
ثم قال
{وَالْكِتابِ الْمُبِين ِإِنَّا جَعَلنا?هُ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً}
وقال في الدخان
{حم}
ثم قال
{وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنزَلناهُ في لَيْلَةٍ مُّبارَكَةٍ}
وقال في الجاثية
{حم}
ثم قال
{تَنزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم ِإِنَّ في السَّماواتِ وَالأرْضِ لآيات لِّلْمُؤْمِنِينَ}
وقال في الأحقاف
{حم}
ثم قال:
{تَنزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ مَا خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأٌرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بالْحَقِّ}
. وقال في سورة ق
{ق}
ثم قال
{وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ}
. [أضواء البيان (3/5-7) طبع الأمير أحمد بن عبد العزيز آل سعود]. ولكنه مع ترجيحه لذلك يرى عدم القط بهذا القول أو غيره من الأقوال، فقد قال عند تفسير قوله تعالى:
{ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (7)}
مبينا بعض أوجه رجحان الاستئناف في قوله تعالى:
{ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}
: قال: "الثاني: أن الحروف المقطعة في أوائل السور لا يعلم المراد بها إلا اللَّه إذ لم يقم دليل على شيء معين أنه هو المراد بها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا من لغة العرب . فالجزم بأن معناها كذا على التعيين تحكم بلا دليل" وقال ابن كثير رحمه الله في أول تفسير سورة البقرة، بعد أن رجح ما سبق: "(قلت) ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته وهذا معلوم بالاستقراء وهو الواقع في تسع وعشرين سورة" الكتاب العزيز: كتاب وهو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا [أشار إلى ذلك ابن جرير في تفسيره (11/179) ومثله القرطبي (9/2)].. وهو ـ في الأصل ـ مصدر كتب بمعنى جمع، ثم سمى به المكتوب فيه كتاباً، والكتاب ـ في الأصل ـ اسم للصحيفة مع المكتوب فيه، وأطلق على الجيش كتيبه لاجتماعه، وتكتبت الخيل صارت كتائب [راجع الجامع لأحكام القرآن (1/158) والمفردات للراغب (مادة كتب)].. والمراد به هنا القرآن الكريم المشتمل على السور والآيات التي احتواها المصحف الشريف من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس، كما قال تعالى: الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ... [البقرة: 1-2].. قوله تعالى: أحكمت آياته .. من حَكَمَ، وهو يأتي بمعنى منع وأتقن وكلاهما مراد هنا، لأن القرآن الكريم أحكم بمعنى منع الخلل والفساد أن يأتياه، وهو متقن في أخباره لا يدخلها كذب، وفي أحكامه العادلة التي لا يعتريها ظلم.. [راجع القاموس المحيط (مادة: حكم) والمفردات للراغب الأصفهاني، نفس المادة].. قال ابن جرير رحمه الله: وأولى القولين بالصواب قول من قال: أحكم الله آياته من الدخل والخلل والباطل.. وذلك أن إحكام الشيء إصلاحه وإتقانه.. وإحكام آيات القرآن إحكامها من خلل يكون فيها أو باطل يقدر ذو زيغ أن يطعن فيها من قبله.. [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (11/180) وراجع تفسير القرآن العظيم (2/435) والجامع لأحكام القرآن (9/2)].. وقال شيخنا المفسر رحمه الله في معنى المادة في اللغة: اعلم أن الحكم في اللغة هو المنع، ومنه قيل للقضاء حكم، لأنه يمنع من غير المقضي عليه تقول: حكمه كنصره، وأحكمه كأكرمه، وحكمه بالتضعيف بمعنى منعه، ومنه قول جرير:
وقول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
وقال في معنى الإحكام عرفاً: معنى كونه محكماً: أنه في غاية الإحكام [مذكرة أصول الفقه ص7 طبع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة].. أي الإتقان، في ألفاظه، ومعانيه، وإعجازه، أخباره صدق، وأحكامه عدل، لا تعتريه وصمة ولا عيب، لا في الألفاظ ولا في المعاني.. [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ـ تكملة أضواء البيان (10/47)]. وقوله تعالى: آياته الآيات جمع آية.. والآية في اللغة العلامة، وتطلب على العبرة كما قال تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ [يوسف: 7 وراجع لسان العرب]. وقد وصف الله تعالى آيات القرآن كلها بالإحكام، كما في هذه الآية: أحكمت آياته ووصفها تعالى بأنها كلها متشابهة كما في قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ. [الزمر:23]. ووصف تعالى بعض آياته بالإحكام وبعضها بالتشابه كما في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ . [آل عمران: 7]. وقد يفهم من لا علم به بحقائق التنزيل وتفسير علماء المسلمين له أن في ذلك تعارضاً أو اضطرباً، لذلك تصدى لبيان ذلك ودفع ما قد يتوهم من تعارض شيخنا المفسر رحمه الله، فقال: قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [الآية].. هذه الآية الكريمة تدل على أن من القرآن محكماً، ومنه متشابهاً وقد جاءت آية أخرى تدل على أن كله محكم، وآية تدل على أن كله متشابه، أما التي تدل على إحكامه فهي قوله تعالى: كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير [هي آية هود الأولى التي نحن بصدد تفسيرها].. وأما التي تدل على أن كله متشابه فهي قوله تعالى: كتاباً متشابهاً مثاني [وهي آية الزمر السابقة]. ووجه الجمع بين هذه الآيات أن معنى كن كله محكماً. أنه في غاية الإحكام، أي الإتقان في ألفاظه ومعانيه، أخباره صدق، وأحكامه عدل، لا تعتريه وصمة ولا عيب لا في الألفاظ ولا في المعاني.. ومعنى كونه متشابهاً أن آياته يشبه بعضها بعضاً في الحسن والصدق والإعجاز والسلامة من جميع العيوب، ومعنى كون بعضه محكماً وبعضه متشابهاً، أن المحكم منه، هو واضح المعنى لكل الناس، كقوله: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32]. وقوله تعالى: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ.. [الإسراء:22].. والمتشابه هو ما خفي علمه على غير الراسخين في العلم بناء على أن الواو في قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [هي آية آل عمران السابقة].. عاطفة، أو هو ما استأثر الله بعلمه، كمعاني الحروف المقطعة في أوائل السور، بناء على أن الواو في قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ استئنافية لا عاطفة.. [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (10/47-48) ومن أقرب مراجع الشيخ في هذا ـ فيما يبدو لي ـ تفسير القرآن العظيم لابن كثير رحمه الله (1/344-345) وراجع كتاب البرهان في علوم القرآن للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (2/68) وما بعدها].. فالإحكام العام لآي القرآن الكريم هو كونها متقنة صادقة الأخبار عادلة الأحكام.. والتشابه العام كون بعضها يشبه بعضاً في ذلك وفي السلامة من العيوب والخلل.. وإحكام بعضها كونها واضحة لا غموض فيها لكل الناس، وتشابه بعضها في كون معانيها قد تخفى على غير الراسخين في العلم، أو عليهم وعلى غيرهم.. وجملة أحكمت محلها الرفع نعت لكتاب [الجامع لأحكام القرآن (9/2) والكشاف (2/258)]. أي محكمة آياته.. قوله تعالى: ثم فصلت تفصيل الشيء جعل مفصلاً أي مبيناً واضحاً لا إبهام فيه، وفي معنى تفصيل الآيات هنا وجوه: الأول : أن المراد بينت بدلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص.. الثاني: أنها جعلت فصولاً، سورة سورة وآية آية.. الثالث: أنها فرقت في التنزيل وما نزلت جملة واحدة.. الرابع: أنها جعلت فصولاً: حلالا وحراماً، وأمثالاً، وترغيباً وترهيباً ومواعظ وأمراً ونهياً، لكل معنى فيها فصل قد أفرد به غير مختلط بغيره [راجع التفسير الكبير للرازي (17/187) والبحر المحيط لأبي حيان (5/200) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (9/3) والكشاف للزمخشري (2/57)]. وهذه الوجوه وغيرها تدخل في معنى تفصيل الآيات، فهي من اختلاف التنوع وليست من اختلاف التضاد.. وقال ابن كثير رحمه الله: أحكمت آياته ثم فصلت أي هي محكمة في لفظها مفصلة في معناها، هو كامل صورة ومعنى، وهذا ما روى عن مجاهد واختاره ابن جرير.. [تفسير القرآن العظيم (2/435) وراجع جامع البيان عن تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري (11/179-180)]. وإذا كان معنى التفصيل إنزال القرآن منجماً بعد أن أنزل إلى السماء الدنيا جملة، فإن ثم هنا تكون على بابها من الترتيب والتراخي الزمني، أما إذا أريد به المعاني الأخرى فإنها لا تكون على بابها، وإنما تكون للترتيب الذكري.. قال الزمخشري: فإن قلت ما معنى ثم؟ قلت: ليس معناها التراخي في الوقت ولكن في الحال، كما تقول: هي محكمة أحسن الأحكام ثم مفصلة أحسن التفصيل، وفلان كريم الأصل ثم كريم الفعل.. [الكشاف (2/258) وراجع التفسير الكبير للرازي (17/179) والبحر المحيط لابن حيان (5/200)].. ومجيء ثم لمجرد الترتيب الذكري وارد في اللغة العربية، وقد تعرض لذلك شيخنا المفسر رحمه الله عند قوله تعالى في سورة البقرة: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة: 199].. على رأي جماهير العلماء بأن الآية نزلت آمرة لقريش أن يقفوا بعرفات كما يقف الناس، إذ كانت قريش تقف بالمزدلفة وترى أن ذلك أليق بها من الوقوف بعرفات لأن مزدلفة من الحرم وعرفات ليست منها.. واستشهد الشيخ على مجيء ثم للترتيب الذكري بقوله تعالى: فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ [البلد: 13-17].. وبقول الشاعر:
[راجع أضواء البيان (1/203) ومغني اللبيب لابن هشام الأنصاري (1/124-125) طبع لاهور، باكستان].. هذا آخر ما حرصت على كتابته على ما فاتني من درس الشيخ الأول وبالله تعالى التوفيق.. قوله تعالى: من لدن حكيم خبير [ من يبدأ تفسير شيخنا، رحمه الله، وكان ذلك في الدرس الثاني في تاريخ: 7/6/1384هـ..].. قال: سبق القول: إن في قوله تعالى: أحكمت آياته ثم فصلت دليلاً على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، كما هو مذهب جمهور العلماء.. [قلت: وهذا يدل أنه يرى أن ثم جاءت هنا على بابها في الترتيب الزمني].. من لدن أي من عند الحكيم هو الذي يضع الأمور في مواضعها، ويوقعها في مواقعها، والحكمة وضع الأمور في مواضعها وإيقاعها في مواقعها.. وليس المراد بالحكمة ما يعنيه المنطقيون.. الفلسفة ولا بالحكماء الفلاسفة، بل هم العلماء والفقهاء الشرعيون عندنا.. وأصل هذه المادة ( ح ك م ) المنع.. وكلما كثر عند الشخص العلم النافع التام كان أكثر حكمة، وكلما نقص علمه كان أقل حكمة، فالحكيم الكامل من يحيط علمه بكل شيء فلا تخفى عليه خافية، وهذا خاص بالخالق سبحانه وتعالى، لذلك لا يجري عليه لو وليت، بخلاف غيره من المخلوقين فإنه قد يعمل يظنه في غاية من الإتقان، ثم يتبين له له أنه جهل وخرق، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي) [البخاري (8/128) ومسلم (2/872) من حديث عائشة].. فجرت عليه لو مع أنه سيد الخلق وينـزل عليه الوحي صباحاً ومساء، بخلاف رب العالمين.. وقالت الخنساء:
و الخبير في اللغة أخص من العليم، فلا تطلق مادة خبر إلا على ما من شأنه أن يخفى، ولذا يقال: "على الخبير سقطت" وقال الشاعر:
والله عـز وجل يقول: وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:14]. ويقال: أنا عالم أن الواحد نصف الاثنين، ولا يقال: أنا خبير بذلك، فالخبير هو العالم بخفايا الأشياء وحقائقها. وهذا الوصف من أكبر الدواعي لإعظام الله ومراقبته وطاعته في أمره ونهيه، لأنه مطلع على أسرار الضار والنافع، وكل التشريعات التي يطبقها الآن أكثر الدول غير تشريع الله هو تشريع أخرق جاهل.. قوله تعالى: ألا تعبدوا إلا الله .. يحتمل أن المدغمة في لا معنيين: الأول: كونها مصدرية، بناء على التحقيق من أن المصدرية تكون في الجمل الإنشائية وعلى هذا فلا إشكال فالمصدر المنسبك من أن وما دخلت عليه مجرور بحرف جر محذوف، وتقديره: بأن، أو لأن، وحذف حرف الجر مع أنْ وكذا أنَّ مطرد، كما قال ابن مالك:
واختلف في محل أنْ وأنَّ من الإعراب أهو النصب أم الجر؟ وفائدة هذا الخلاف تظهر في التابع، فالخليل والكسائي يقولان: محله النصب، والأخفش الصغير يقول: محله الجر، ومن شواهده: قول الشاعر:
وجوز سيبويه الأمرين.. [راجع شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد (2/151-152) إلا أنه نسب في الأشموني مذهب النصب إلى سيبويه ـ مع الفراء ـ ولم يذكر أنه جوز الجر، شرح الأشموني على الألفية، بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، نشر دار الكتاب العربي بيروت (1/197-198)].. والذين خالفوا الأخفش خرجوا ما استشهد به على عطف التوهم، على تقدير وجوده، فإنه جائز، ومنه قول الشاعر: بدالي أني لست مدرك ما مضى=ولا سابق شيئاً إذا كان جاريا بخفض "سابق" عطفاً على ما توهمه الشاعر من دخول حرف الجر الذي هو الباء على خبر ليس، وهو مدرك، على حد قول ابن مالك: وبعد ما وليس جر البا الخبر (وبعد لا ونفي كان قد يجر).. المعنى الثاني: أن تكون أن تفسيرية، وضابط أن التفسيرية أن يتقدمها معنى القول دون حروفه، وهو هنا ظاهر، لأن التفصيل فيه معنى القول. وهنا يرد سؤال، وهو : كيف يفسر التفصيل بالتوحيد والاستغفار والتوبة فقط، مع أن الواجبات كثيرة جداً؟ والجواب: أن الاستغفار والتوبة يشملان كل الواجبات والمحرمات.. [لأن الذي يترك الواجب أو يفعل المحرم ويتوب توبة نصوحاً لا يترك أمر الله ونهيه، ولأن التوحيد يستلزم الطاعة].. وهناك جواب آخر أجيب به عن قوله تعالى في سورة الأنبياء: قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [الأنبياء:108، وراجع أضواء البيان (3/7-8)].. إذ حصر الوحي في الألوهية، والجواب أن توحيد الألوهية هو معنى كلمة: (لا إله إلا الله) وهي بلا شك متضمنة لجميع الشرائع فيدخل في ذلك فعل كل واجب، وغيره، كالمندوب، وترك كل محرم وغيره، كالمكروه. ؟ والعبادة في اللغة: الذل والخضوع، فكل مذلل معبد، ومنه قيل للرقيق عبد، وقال الشاعر:
وفي الاصطلاح: التقرب إلى الله جـل وعلا بامتثال ما شرع وأمر به، واجتناب ما نهى عنه على وجه الخضوع والذل والمحبة. والمعنى: لا تتقربوا لأحد بشيء مما أمرتم بالتقرب به إليه عـز وجل.. والاستثناء في قوله: إلا الله مفرغ، أي لا تعبدوا أحداً إلا الله.. وقد أشار ابن مالك إلى الاستثناء المفرغ بقوله في الألفية:
وقوله تعالى: نذير وبشير أي نذير إن عبدتم معه غيره، بشير أن عبدتموه وحده.. ونذير فعيل بمعنى مفعل، وهو كثير، ومنه: عذاب أليم.. أي مؤلم، ووجيع بمعنى موجع.. والمنذر اسم فاعل الإنذار وهو الإعلام والتهديد المقترن بتخويف خاص، فالنسبة بين الإنذار والإعلام العموم والخصوص المطلق.. وبشير، أي مبشر بما عنده لكم من الخير والرحمة، والبشارة هي الإخبار بما يسر، وربما أطلقت على ما يسوء، كما قال تعالى:
{فبشرهم بعذاب أليم }
[آل عمران: 21، والتوبة: 34، والانشقاق: 24].. وقال الشاعر:
وهو عند علماء البلاغة من الاستعارة العنادية، ومعناها المضادة والمناقضية.. [سيأتي زيادة بيان لهذه الاستعارة عند تفسير قوله تعالى: بئس الرفد المرفود الآية: 99].. قوله تعالى:
{وأن استغفروا ربكم }
. معطوف على قوله تعالى:
{ألا تعبدوا}
من عطف الأمر على النهي، وهو جائز كثير، وكذلك العكس، لأنه من عطف الجمل الإنشائية على مثلها.. والاستغفار طلب المغفرة.. والغفر الستر والتغطية، والمراد ستر الأمور وتغطيتها بعفو الله عـز وجل،وليس المراد الاستغفار باللسان مع تصميم القلب على ما لا ينبغي، فإن هذا تلاعب وليس استغفاراً. قوله تعالى:
{ ثم توبوا إليه}
أي ارجعوا إليه تائبين من كل ذنب بالندم والإقلاع والعزم على عدم العود، وفائدة الترتيب بثم كون الإنسان قد يستغفر ثم يبقى متلبساً بما لا ينبغي فيتوب إلى الله منه والتراخي يفيد أن كل ذنب يذنبه في المستقبل يجب عليه أن يتوب إلى الله منه.. قوله تعالى:
{يمتعكم }
مجزوم في جواب الطلب بشرط مقدر، أي إن تعبدوا الله يمتعكم والمتعاطفات بالواو ـ وهي الشروط هنا ـ لا يتعين المشروط إلا بجميعها، بخلاف المتعاطفات بأو فإنه يتعين بأحدها، أو بعضها. ومتّع على وزن فعل بتشديد العين، قياس مصدره التفعيل كالتمتيع، إلا أنه سمع الفعال كسحاب بمعنى التفعيل، كبين بيانا ًوطلق طلاقاً، ومنه ـ هنا ـ متاعاً.. والمراد بالمتاع حصول البلغة والراحة في الشؤون الدنيوية، فيشمل جلب النفع ودفع الضر،ومثله الحياة الطيبة المذكورة في سورة النحل [يشير شيخنا رحمه الله إلى الآية رقم 97 من سورة النحل، وهي قلوه تعالى:
{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
].. والدليل أن المراد به التمتيع الدنيوي قوله تعالى بعد ذلك:
{وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ}
وكذلك قوله تعالى في نفس السورة في قصة هود مع قومه:
{وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ}
[الآية: 52].. ومما يدل على ذلك أيضا ًقوله تعالى:
{إلى أجل مسمى}
فإن النعيم الذي له أجل مسمى ـ أي محدود ينتهي عنده ـ هو نعيم الدنيا، أما نعم الآخرة فلا منتهى لها.. [راجع أضواء البيان (3/9)]. وفي هذا ترغيب للمذنبين في التوبة إلى الله واستغفاره والبعد عن معاصيه.. قوله تعالى: ويؤت كل ذي فضل فضله .. معطوف على قوله: يمتعكم ومعناه: يعطي، من آتى.. كل ذي فضل فضله أي كل ذي عبادة وطاعة، يعطيه فضله، أي ثوابه الجزيل في الآخرة.. وبذلك يجمع الله لمن أطاعه بين متاع الدنيا وثواب الآخرة.. قوله تعالى: وإن تولوا يحتمل أن يكون ماضياً مسنداً للغائبين، ويحتمل أن يكون مضارعاً مسنداً للمخاطبين، على حذف إحدى التائين، كما قال ابن مالك في الألفية:
وهذا الأخير هو المتعين هنا بدليل الخطاب قبله [في قوله تعالى
{يمتعكم }
] وبعده [في قوله تعالى:
{فإني أخاف عليكم}
].. والتولي الإعراض والصدود، أي إن تعرضوا عما فصل في هذا القرآن العظيم.. قوله: فإني أخاف عليكم الخوف يكون من الأمر المشكوك فيه في المستقبل، وربما أطلق على الأمر اليقيني، ومنه قول الشاعر: إذا مت فادفني إلى جنب كرمة= تروي عظامي من نداها عروقها
قوله تعالى:
{عذاب يوم كبير}
كبير نعت لعذاب عند جماعة وخفض للمجاورة، وهو نعت ليوم عند آخرين، ووصف اليوم بالكبر يدل على عظم عذابه الكائن فيه.. قوله تعالى:
{إلى الله مرجعكم}
مرجع مصدر ميمي، أي رجوعكم والقياس فيه وفيما ماثله فتح العين، ولكنه كسر سماعاً، والسماع مقدم على القياس: "إن السماع مانع القياس".. والنكتة في تقديم المعمول إلى الله إفادة الحصر، أي إليه وحده لا إلى غيره، ومعناه أنكم ترجعون إليه يوم القيامة، لأنه يحييكم بعد موتكم ويحاسبكم على أعمالكم.. قوله:
{وهو على كل شيء قدير }
أي قادر، وهذه الصفة التي هي صفة القدرة هي التي يوجد الله جـل وعلا بها الممكنات، وهو تعالى قادر على ما يشاء وما لم يشأ، مثال ذلك أنه تعالى شاء إيمان أبي بكر وهدايته وقد هداه للإيمان، ولم يشأ إيمان أبي جهل، وهو قادر عليه، ولم تتعلق به مشيئته فلم يوجده. وكل صفات الله عـز وجل من الكمال بحيث لو تصور شيء من المبالغة في الصفة فهي فوق ذلك.. وأما قوله تعالى:
{وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ}
[الشورى:29].. فهو معلق بإذا، والمعلق بإذا يفيد تحقق الشيء، فهو يدل على اليقين.. والشيء يطلق على كل موجود، ويطلق على الله تعالى لأنه موجود، كما قال تعالى:
{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}
[الأنعام:19]. ولا يطلق على المعدوم خلافاً للمعتزلة، ولا دليل لهم في قوله تعالى:
{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}
[يس:82].. لأنه أطلق عليه شيء نظراً لتحقق وقوعه وتيقنه.. قوله تعالى:
{ألا إنهم يثنون صدورهم }
وفي قراءة ابن عباس:
{ تثنوني صدورهم }
واختلف في معنى ثنائهم صدورهم على أقوال: القول الأول: أنهم يعرضون عن الحق ويزعمون أن كفرهم يخفى على الله جـل وعلا، ومن أساليب العرب أن يقال: أقام صدره إذا اتجه إلى الشيء، وثناه إذا أعوج عنه، ومن إطلاق إقامة الصدر على ما ذكر قول الشنفرى:
ومن إطلاقهم الاعوجاج على الانثناء قول الشاعر:
أي ميلا إليها.. القول الثاني: إنهم يعطفون صدورهم ويضمونها على ما في داخلها من الكفر الذي يخفونه، ويدل لهذا قوله تعالى:
{ليستخفوا منه}
. القول الثالث: أنها نزلت في المنافقين، كانوا إذا مر بهم النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا ثيابهم عليهم وتغطوا منه، وعلى هذا يكون الضمير في
{منه }
عائداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.. والظاهر أن الضمير يعود إلى الله جـل وعلا وأن بعض الكفار كانوا يستخفون بكفرهم ويظنون أن الله لا يعلم ذلك.. القول الرابع: أنها نزلت في بعض المسلمين، كانوا لا يجامعون أزواجهم، ولا يقضون حاجتهم إلا إذا كانوا في ستر من الله عـز وجل يستحيون إن يكونوا بدون حجاب.. والاستخفاء: الاستتار، وهذا من جهل الكفار الذين كان بعضهم يغلق على نفسه الأبواب ويتغطى بالثياب ويعمل ما يريد من المعاصي، ظناً أن الله لا يعلم ذلك.. قوله تعالى:
{ألا حين يستغشون ثيابهم }
. أي يجعلونها عليهم ويتغطون بها، وهذا مثل ما فعل قوم نوح مع نبيهم.. كما قال تعالى: وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً.. [نوح:7]. قوله تعالى:
{يعمل ما يسرون وما يعلنون}
. أي أنه تعالى يعلم ما يخفون بل أخفى مما يخفون، ويعلم ما يظهرون، قال الله تعالى في سورة طه:
{يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى}
. [طه:7].. فهو يعلم ما يخطر على القلب وما لا يخطر عليه مما سيخطر عليه فيما بعد، وهل يجهل خطرات القلوب خالقها؟ قوله تعالى:
{إنه عليم بذات الصدور}
. أي بالضمائر المكنونة التي يه صاحبة الصدور، وخطراتها.. [راجع أضواء البيان (3/9-13)].. والصدر هو محل العقل والفكر، كما قال تعالى:
{إِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}
[القصص: 46].. فالآية تدل أن المركز الرئيس للعقل هو الصدر خلافاً لما زعمه الفلاسفة القائلون: إن مركزه الدماغ.. استدلالاً منهم بكون خلل الدماغ يكون خللاً في العقل، ووفق جماعة بين الرأيين بأن قالوا: هو في القلب وله اتصال بالدماغ، فسلامته مشروطة بسلامة الدماغ، والشرط خارج عن الماهية كما هو معروف.. قوله تعالى:
{وما من دابة في الأرض إلى على الله رزقها}
. الدابة اسم فاعل دب مؤنثة بالتاء، وهي شاملة لكل ما يدب، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، بل هي من صيغه، ولكنها تفيده ظاهراً، إلا إذا زيدت قبلها مِن فإنها تفيد العموم أيضاً..كما هنا. وهذا أحد المواضع الثلاثة التي تفيد فيها النكرة التنصيص على العموم.. والموضع الثاني إذا بنيت النكرة على الفتح مع لا النافية للجنس، كما قال ابن مالك في الألفية: وركب المفرد فاتحا كـلا حول ولا قوة..... الموضع الثالث: أن تكون النكرة ملازمة للنفي، كَدَيَّار، ولا تطرد زيادة من للتنصيص على العموم إلا في ثلاثة مواضع: الموضع الأول: قبل المبتدأ كما هنا. الموضع الثاني: قبل الفاعل، كقوله تعالى:
{لِتُنذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}
. [القصص:46].. الموضع الثالث: قبل المفعول به، كقوله تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ}
[الأنبياء: 25].. وليس المراد هنا من الدابة العرف الخاص قطعاً.. [والعرف الخاص هو ذوات الحافر التي تركب، وليس مراداً قطعاً لما ذكر من إرادة العموم الذي أفادت من التنصيص عليه، وذلك واضح من شمول رزق الله لكل ما دب، ولو أريد العرف الخاص لضاع هذا الشمول راجع المادة في القاموس المحيط، والمفردات للراغب الأصفهاني].. و
{ على }
في قوله تعالى:
{على الله رزقها}
تدل على لزوم هذا الشيء، والله سبحانه هو الذي التزم بذلك بدون أن يلزمه أحد من خلقه.. والرزق ما يسوقه الله لخلقه، ومنه الإنسان، ليقيم به شؤون حياته وبعضهم لا يطلقه إلى على ما كان حلالاً، وليس الحرام عندهم رزقاً بل هو معصية ارتكبها صاحبها من عند نفسه، والصحيح أن ذلك كله بمشيئة الله وقدرته، كما هو مذهب أهل السنة.. قوله تعالى:
{ويعلم مستقرها ومستودعها}
. المستقر مكان الاستقرار والمستودع مكان الاستيداع، وكل فعل زاد على ثلاثة أحرف فاسم مكانه واسم زمانه واسم مفعوله كلها ومصدره الميمي تكون على زنة اسم المفعول، كما في هذا الموضع.. والاستقرار السكون وعدم الحركة، هذا أصله، والمراد بالمستقر هنا الأرض التي تحيا عليها الدواب، والمستودع المكان الذي تموت فيه، وقيل المستقر في الأرحام، والمستودع في الأصلاب والآية شاملة للجميع، فأي محل استقرت فيه أو استودعت فيه فهو عالم به وبها فيه، ومتكفل بجميع رزقها، وعلمه محيط بكل شيء. قوله تعالى:
{كل في كتاب مبين}
. أي بَيِّن، والكتاب هو اللوح المحفوظ، والعرب تستعمل أبان وبيَّن متعديين ولازمين فمن أمثلة اللازم في أبان قول الشاعر:
وقول الآخر:
ومنه اسم الفاعل مبين، كما في الآية هنا، بمعنى ظاهر، والمتعدي بمعنى أظهر وهو في الغالب الأكثر استعمالاً.. قوله تعالى:
{وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء}
. أصل الخلق التقدير، تقول: خلقه إذا قدره، ومنه قول الشاعر:
ولما كان الله جـل وعلا إذا قدر أمراً نفذه لا يستعصي عليه شيء صار الخلق في حقه يطلق على ما يقدره وما يفريه، والمعنى أنه تعالى خلق السماوات والأرض، أي قدرها ثم فراها.. والسماء تطلق في اللغة على كل ما علاك، ومنه قوله تعالى:
{فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ}
[الحج:15].. أي بحبل إلى سقف البيت.. [راجع جامع البيان عن تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري (17/125)].. وقال الشاعر:
والمراد بالسماوات هنا السبع الطباق التي طرقها الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء وكانت لها أبواب كما في الصحيح.. [راجع صحيح البخاري (4/248-250) وصحيح مسلم (1/145) وما بعدها].. والمراد بالأرض الأرضون السبع، ولم يأتِ لفظ الأرض مجموعاً في القرآن، وإنما عرف أنها سبع من قوله تعالى:
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً}
[الطلاق:12]. والذين ينكرون وجود السماوات في غاية من الجهل والسفه، ولا شك أن هذا الرب العظيم الذي يخلق هذه المخلوقات العظيمة هو الجدير بالطاعة والعبادة وحده، كما أنه هو الخالق وحده. قوله تعالى:
{في ستة أيام}
. جاء تفصيل هذه الأيام في سورة حم السجدة في قوله تعالى:
{قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ}
وهما الأحد والاثنين..
{وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً}
أي هذه يومان وهما الثلاثاء والأربعاء، وهما بالإضافة إلى اليومين الذين خلق فيهما الأرض أربعة أيام..
{لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ}
وهما الخميس والجمعة.. وفي آخر يوم الجمعة خلق آدم عليه السلام..
{وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}
. [فصلت: 9-12]. وهنا يرد سؤال، وهو: أن الأيام إنما عرفت بالشمس والقمر وقد سميت ـ أي الأيام ـ قبل خلقهما ـ أي الشمس والقمر ـ فما الجواب عن ذلك؟ الجواب أن الله جـل وعلا عالم بمقدار الأيام قبل خلق الشمس والقمر، وإيجاده إياهما لا يزيده علماً بها، وهو الذي سماها قبل وجود الشمس والقمر الذي هو خالقهما.. وإنما خلق السموات والأرض وما فيهما في ستة أيام مع أنه قادر على خلق ذلك كله في أقل من لحظة ليري خلقه [ويعلمهم] الرفق والتثبت في الأمور.. وحكمة أخرى خلقها في ستة أيام لأن لكل شيئ عنده أجلاً.. [ينتهي كلام شيخنا المفسر عند قوله: ليري خلقه ولم أتمكن من كتابة ما بعده لسرعة كلامه، وما بين القوسين الأولين أثبته أنا لأَصِل به كلام المفسر بما بين القوسين الأخيرين، وهو من كلام القرطبي رحمه الله في تفسيره (7/219) وراجع التفسير الكبير للفخر الرازي (14/99)].. والعرش أصله سرير الملك، ويطلق على السقف، والمراد به هنا عرش الرحمن الذي ذكره الله عـز وجل في سبعة مواضع من كتابه وأنه استوى عليه سبحانه وتعالى.. [المواضع السبعة التي أشار إليها شيخنا المفسر هي: الموضع الأول: قوله تعالى:
{إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}
[الأعراف:54]. الموضع الثاني: قوله تعالى:
{إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}
[يونس:3]. الموضع الثالث: قوله تعالى:
{اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}
[الرعد:2]. الموضع الرابع: قوله تعالى: تَنزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلا (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:4-5].. الموضع الخامس: قوله تعالى:
{الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً}
[الفرقان:59].. الموضع السادس: قوله تعالى:
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ}
[السجدة:4].. الموضع السابع: قوله تعالى:
{هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}
[الحديد:4]. وراجع تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/438)].. وفي هذه الآية دلالة على أن العرش موجود قبل خلق السموات والأرض وأن الماء كان تحته، ولم تكن حينئذٍ أرض ولا سماء، وهو سبحانه وتعالى أعلم بكيفية استوائه على عرشه. قوله تعالى:
{ليبلوكم أيكم أحسن عملا}
بين الله جـل وعلا في هذه الآية أن الحكمة في خلق السماوات والأرض وما فيهما إنما هي الابتلاء والاختبار وأن خلقه لذلك ليس لِلَّعب ولا للعبث. كما قال تعالى:
{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ}
[ص:28].. إنما خلقهما كي يجعلهما عِبَراً وآياتٍ، ويخلق فيهما خلقاً يأمرهم وينهاهم ويبين لهم الخير والشر ويدعوهم إلى الأول ويحذرهم من الثاني، حتى يظهر من يخافه ويعلم أنه رقيب عليه، فيقوم مقام المشفق الخائف، ومن لا يخافه ولا يؤثر فيه الزاجر الأعظم والواعظ الأكبر الذي هو درجة الإحسان، فَعَل كل ذلك سبحانه لتظهر عدالته وفضله وكرمه بجزاء الظالمين العاصين ما يستحقون من عذاب، وإثابة المطيعين الخاضعين، فإنه لو كان هناك صفة الرحمة فقط لما كان مقتضى الخوف منه موجوداً، كما أنه لو وجدت صفة العظمة والجبروت فقط لما كان هناك ما يقتضي طمع المخلوق في إثابته وفضله وكرمه.. وهنا قد يسأل طالب النجاح عن الطريق التي يتوصل بها إلى الفوز برضا الله جـل وعلا؟ والجواب: أن جبريل عليه السلام قد بين هذه السبيل التي تضمن لسالكها النجاح، فقد جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وسأله عن أصول الدين ـ أركان الإسلام والإيمان ـ وعن السبيل الموصلة إلى تحقيقها، فقال: (أخبرني عن الإحسان؟) وكان قصده تعليم الصحابة، رضي الله عنهم ذلك فبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإحسان هو هذا الزاجر الأعظم والواعظ الأكبر الذي هو مراقبة الله عـز وجل واستحضار أنه عالم بما يفعل العبد في سره وعلنه، فقال له: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك).. [مسلم (1/36-40)].. ويضرب لهذا مثال، وهو ما إذا كان الناس بحضرة ملك جبار، سيّافه قائم على رأسه، وسيفه يقطر دماً، وعنده بناته وجواريه، فهل يخطر ببال الحاضرين أن ينتهكوا له حرمة؟ كلا.. ولا شك أن الله عـز وجل ـ وهل المثل الأعلى ـ أعظم بطشاً على انتهاك حرماته، وحماه في الأرض محارمه.. ولا يكون إحسان العمل إلا بوجود هذا الزاجر الأعظم والواعظ الأكبر الذي يقتضي الإخلاص لله ومطابقة العمل لشرعه المبني على العقيدة الصحيحة لأن العقيدة الصحيحة كالأساس للفروع.. قوله تعالى:
{ولئن قلتَ إنكم مبعوثون من بعد الموت}
. اجتمع ـ هنا ـ شرط، وهو "إنْ" وقسم محذوف دلت عليه اللام الموطئة، والجواب هنا جواب القسم، وهو قوله:
{ليقولن}
ولو كان جواباً للشرط لاقترن بالفاء بدلاً من اللام، وهو مبني على القاعدة النحوية: إذا اجتمع شرط وقسم حذف جواب المتأخر منهما، كما قال ابن مالك في الألفية:
أي لئن أخبرتهم بإحيائهم بعد الموت للجزاء لكذبوك يا محمد، ولقالوا: ما كلام هذا إلا سحر ، أي خيالات لا حقائق ، قبحهم الله. والسحر يطلق في اللغة على كل شئ خافٍ، والعرب تقول: أخفى من السحر للشيء البالغ الغاية في الخفاء. والتحقيق أن السحر أنواع لا تقل عن عشرة، منها ما هو خيالي ومنها ما هو حقيقي، ومنها ما هو كفر، ومنها ما هو دونه. كما قال تعالى في الخيالي:
{فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى}
[طه:66].. وقال في الحقيقي:
{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ}
[الفلق: 1-4].. إذ لو لم يكن حقيقة لما أستعيذ منه.. وقال تعالى:
{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ}
[البقرة: 102].. وقد بسطنا الكلام على هذا في سورة طه في الجزء الرابع من كتابنا أضواء البيان. [الجزء الرابع، ص:437-438].. وهذه سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه [الخارجين عن طاعته] [ما بين المعقوفين يقتضيه السياق] وما يرسل إليهم من رسول إلا استهزءوا به ووصفوه بأنه ساحر أو مجنون، والله عـز وجل يعجب منهم كيف يتفقون على هذه الصفة الذميمة في عداوة الأنبياء وسبهم لهم بألفاظ متحدة مع طول الزمن بينهم.. كما قال تعالى:
{كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}
[الذاريات:52-53]. أي أتواصوا بهذا التكذيب وهذا الوصف الجائر؟ ثم قال:
{بل هم قوم طاغون }
أي أنهم تشابهوا في الطغيان ومجاوزة الحد
{ تشابهت قلوبهم }
[الآية من سورة البقرة: 118، وهي:
{قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}
].. فاتحدت أهدافهم ومواقفهم.. قوله تعالى: وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمْ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ.. جرت سنة الله الكونية أن الكفار يستبطئون نزول العذاب ويستعجلونه.. كما قال تعالى:
{وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ}
. [ص:16].. أي آتنا نصيبنا من العذاب وأصل القط كتاب جوائز الملك للناس، قال الشاعر:
والآيات الدالة على استعجالهم العذاب كثيرة جداً.. أي ولئن أخرنا عنهم العذاب إمهالاً لا إهمالاً وغفلة
{إلى أمة معدودة }
أي برهة من الزمن، ولفظ الأمة يطلق على أربعة أمور وكلها في القرآن الكريم: الأول: البرهة من الزمن، كما في هذا الموضع.. الثاني: الطائفة المجتمعة من الناس على مذهب واحد وطريقة واحدة وهو الأكثر استعمالاً، كقوله تعالى:
{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}
[البقرة:213].. الثالث: الرجل المقتدى به، كقوله تعالى:
{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}
[النحل: 120].. الرابع: الدين والملة، كقوله تعالى:
{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}
[الأنبياء:92].. وقال تعالى:
{بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ}
. [الزخرف:22].. ومنه بهذا المعنى قوله الشاعر:
وبعضهم يرجع الأمة في ذلك كله إلى شيء واحد هو الطائفة المجتمعة سواء كانت من الناس أو من الزمن أو من الدين، أما إطلاقها على الرجل المقتدى به فلأنه صار بسبب رتبته بمنزلة الأمة فكأنه طائفة مجتمعة. ومعدودة معناها محدودة، أي أجل محدود، وهو ما عناه الله تعالى بقوله:
{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمْ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}
[العنكبوت:53].. قوله تعالى:
{ليقولن ما يحبسه }
أي أيُّ شيء يمنع العذاب ويؤخره؟ وهم يريدون أن ذلك كذب لا وجود له، قبحهم الله وأخزاهم.
{ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم}
. ألا حرف تنبيه، وفي هذه الآية شاهد عربي يستدل به على جواز تقدم خبر ليس عليها وقد أشار ابن مالك في الألفية إلى منعه، فقال: ومنع سبق خبر ليس اصطفى. والتحقيق جوازه، لأن معمول الخبر، وهو "يوم" العامل فيه "مصروفاً"و قد تقدم على ليس، وتقدم المعمول يدل على تقدم عامله من باب أولى.. [قال أبو عبد الله محمد بن يوسف بن حبان الأندلسي بعد أن حكى الخلاف وقد تتبعت جملة من دواوين العرب فلم أظفر بتقدم خبر ليس عليها، ولا بشموله إلا ما دل عليه ظاهر هذه الآية وقول الشاعر:
]..
{ليس مصروفاً عنهم }
. أي لا راد له عنهم، ولا قبل لهم بدفعه، والصرفُ الإزالة والإبعاد. قوله تعالى:
{وحاق بهم ما كانوا يستهزئون}
. أي أحاط ولا تكاد تجد حاق إلا في إحاطة الشر خاصة. قال الشاعر:
[هكذا استشهد شيخنا المفسر بهذا البيت وفيه أحاط، وليس حاق ولم يتضح لي وجه الاستدلال به؛ لأن أحاط يستعمل في الخير والشر على ما يظهر من أمثلة معاجم اللغة]. وقوله تعالى:
{ما كانوا به يستهزئون}
. [أي العذاب الذي استعجلوه استهزاءً به عندما أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم.] [ما بين المعقوفين ألحقته تكملة لأن لم أجد للشيخ فيه كلاماً.. راجع الجامع لأحكام القرآن (9/10) والتفسير الكبير للرازي (17/189) والكشاف (2/260)]. من هنا تبدأ المحاضرة الخامسة في 14/6/1384هـ قوله تعالى:
{ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور }
. هذه الآية الكريمة بيان لآيات متعددة في القرآن الكريم، فقد ذكر الله جـل وعلا في مواضع من كتابه أن عادة الإنسان الجزع عندما يصيبه شر من فقر ومرض وغيرهما، والبطر عندما يحصل له خير ومن عافية وغنى وغيرهما، فهو معيب في كلا طرفي الابتلاء
{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}
[الأنبياء:35]. فهو لا ينجح في الأمرين، إذ لا يشكر نعمة ولا يصبر على نقمة، وقد أشار الله في هذه الآية أن هذه الصفة الذميمة من صفات الكفار، حيث استثنى المؤمنين بذكر صفاتهم بقوله:
{إلا الذين صبروا .}
كما يأتي.. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم بيانا شافياً ـ والسنة خير ما يفسر بها القرآن بعد القرآن ـ أن المؤمن بخلاف الكافر في هذا الابتلاء، يشكر عند السراء ويصبر عند الضراء.. (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً وليس ذلك إلا للمؤمن) [راجع صحيح مسلم (4/2295) وفي بعض ألفاظ الحديث هنا تقديم وتأخير].. ومعنى الحديث واضح في الآية فإن قوله تعالى:
{صبروا }
يدل على عدم جزعهم عند الشر.. وقوله:
{وعملوا الصالحات}
يدل على الشكر عند النعم.. [يقصد الآية الآتية التي فيها استثناء].. وفي ذلك بيان للصفات الحميدة التي يتحلى بها المؤمن وللصفات الذميمة التي هي من صفات الكفار.. قوله:
{ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة}
. أي حلاوة النعم والخير الذي ندره عليه،
{ثم نزعناها منه}
بأن أبدلناه بالغنى فقراً وبالعافية مرضاً وبالخير شراً..
{إنه ليئوس كفور}
أي كثير اليأس والقنوط والكفر والجحود، لا يصبر عند ضراء ولا يشكر عند سراء.. قوله تعالى:
{ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور}
. النعماء اسم مصدر بمعنى النعمة مؤنث بألف التأنيث الممدودة، أي إن تفضلنا عليه بإزالة النقمة وإبدالها نعمة. والنعماء تشمل الرزق والعافية والخصب والغنى والضراء تشمل المرض والجدب والفقر..
{إنه لفرح}
. أي كثير الفرح بالدنيا، والفرح بالدنيا مذموم وإنما الفرح المحمود الطيب هو الفرح بالإيمان والهداية والتوفيق كما قال تعالى:
{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}
.. [يونس:58].. فخور كثير الفخر والخيلاء، وهما ممقوتان لا يحبهما الله تعالى كما قال جـل وعلا:
{وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}
[لقمان:18].. قوله تعالى:
{إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير}
. هذا استثناء من الله جـل وعلا لعباده المؤمنين البريئين من صفات الكفار، المتصفين بالصفات الحميدة من النجاح فيما امتحنوا فيه، فهم يصبرون عند المصائب، ويشكرون عند النعم، والصبر حبس النفس ويستعمل لازماً ومتعدياً، ومن استعماله متعدياً قوله تعالى:
{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ}
[الكهف:28].. وقول الشاعر:
فالمؤمنون يصبرون ابتغاء وجه الله وهو يجازيهم على ذلك، كما قال تعالى:
{وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ}
. [البقرة:155-156].. وقال تعالى:
{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}
[الزمر:10]..
{وعملوا الصالحات}
جمع صالحة، وهي تطلق في اللغة ـ وكذلك الحسنة ـ على الخصلة الحميدة متناسىً فيها الوصفية، كأسماء الأجناس، ومن ذلك قول أبي العاص:
وقال الآخر:
{أولئك لهم مغفرة وأجر كبير}
. الإشارة تعود إلى الذين تقدمت صفاتهم، وهم الصابرون العاملون الصالحاتِ، أي يستر الله ذنوبهم جزاء صبرهم وشكرهم، والأجر في اللغة جزاء العمل، ووصف هنا بأنه كبير، لأن أجرهم الجنة.. (وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) [يشير شيخنا المفسر رحمه الله إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر البخاري (8/196) وراجع صحيح مسلم (1/176)].. كما قال تعالى:
{فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
. [السجدة:17]..
الفهرس
12348159
عداد الصفحات العام
302
عداد الصفحات اليومي
جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م