﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

معنى القدرة الشرعية:
وهذا يعنى أنه يجب على القادرين على إقامة الحدود أن يقيموها تحقيقاً لهذه القاعدة، ولكن يجب أن يعلم معنى القدرة والاستطاعة الشرعية التي يجب على صاحبها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبخاصة في الحدود التي وسيلتها التغيير باليد وليس باللسان أو القلب فقط. فهل إذا تعاقدت جماعة من الناس في قطر من الأقطار على أن يقيموا الحدود على من ارتكب ذنباً فيه حد، سواء كان جلداً أو قطعاً أو رجماً أو قتلاً، هل يعد هذا استطاعة، ولو وقفت قبيلة من يراد إقامة الحد عليه، ضد من أقاموه واشتعلت بينهم الحروب، دون أن يكون لهم قوة تردع من يمتنع عليهم من إقامة الحدود. هل يضمن الذين يريدون أن يقيموا الحدود، أن يطيعهم الناس في ذلك؟ وهل يضمنون عدم قيام جماعات معارضة لهم تحول بينهم وبين ما يريدون أن يقوموا به؟ وهل إذا وقفت ضدهم جماعات تقاتلهم، تكون عندهم شوكة ومنعة تلقى الهيبة في قلوب المعارضين كما هو الحال بالنسبة للسلطان؟. وهل يضمنون أن لا تترتب على إقامتهم الحدود على الناس مفسدة أكبر من مفسدة ترك الحدود؟ إن على الذين يريدون أن يقوموا بفرض الكفاية، لإسقاط الإثم عن أنفسهم وعن الأمة، ويريدون أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر عليهم، أن يجيبوا على هذه الأسئلة قبل الإقدام على ذلك، فقد يحدثون بفعلهم مفسدة أعظم من مفسدة ترك إقامة الحدود بأضعاف مضاعفة. والذي يريد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يجب أن لا يحدث بأمره ونهيه منكراً أكبر من المنكر الذي يريد تغييره. والمقصود من هذا أن الإنسان قد يكون قادراً على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بيده، كإقامة الحدود، ولكنه غير قادر على دفع المفسدة المترتبة على فعله، وقد تكون المفسدة التي يحدثها أعظم بكثير من مفسدة ترك إقامة الحد، فإذا كان الأمر كذلك فإنه يكون غير قادر شرعاً على تغيير المنكر، ما دام يترتب على فعله وجود منكر أكبر لا يقدر على دفعه. وهذا ما يجب أن نفهم به كلام العلماء، فإنهم قد يطلقون هذه العبارات: فرض الكفاية هو الذي إذا قام به بعض الناس سقط عن الباقين، أو أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على المستطيع، ويظن بعض الناس أن الاستطاعة هي أن يتمكن الشخص من القيام بذلك الفعل، بصرف النظر عن النتائج المترتبة عليه، وقد تكون نتائج مدمرة لحياة المسلمين وفيها من الفتن، ما لا يقدر هو ولا غيره على دفعها إذا وقعت. ولهذا ترى كثيراً من العلماء إذا بحثوا في مثل هذه الأمور يحترزون ويذكرون قيوداً توصد باب الفتن، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقد توسع في هذا الموضوع، وأرى أنه لا بد من نقل مقتطفات وافية من كلامه، خشية أن يفهم بعض قليلي البضاعة من العلم أنه يجيز لغير السلطان أن يقيم الحدود ما دام قادراً على ذلك، بصرف النظر عما يترتب على الإقامة، فإن شيخ الإسلام رحمه الله براء من ذلك، وسأسوق أقواله في هذا الشأن وإن طالت توضيحاً لمراده. قال رحمه الله: "خاطب الله المؤمنين بالحدود خطاباً مطلقاً، كقوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا..}. وقوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا..}. وقوله: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ..}. وكذلك: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً..}. لكن قد علم أن المخاطب بالفعل لا بد أن يكون قادراً عليه، والعاجزون لا يجب عليهم، وقد علم أن هذا فرض على الكفاية من القادرين، والقدرة هي السلطان، فلهذا وجب إقامة الحدود على ذي السلطان ونوابه". إلى أن قال: "وكذلك لو فرض عجز بعض الأمراء عن إقامة الحدود والحقوق أو إضاعة ذلك، لكان ذلك الفرض على القادر عليه، وقول من قال لا يقيم الحدود إلا السلطان ونوابه إذا كانوا قادرين فاعلين بالعدل، كما يقول الفقهاء: الأمر إلى الحاكم، إنما هو العادل القادر، فإذا كان مضيعاً لأموال اليتامى أو عاجزاً عنها لم يجب تسليمها إليه، مع إمكان حفظها بدونه، وكذلك الأمير إذا كان مضيعاً للحدود أو عاجزاً عنها، لم يجب تفويضها إليه، مع إمكان إقامتها بدونه. والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه، فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان، أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها لم يدفع فساد بأفسد منه، والله أعلم". [1]. إن ذوى الهوى قد يأخذون قوله: "ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت"، ويتركون الاحترازات التي ذكرت في السياق، سابقة أو لاحقة، وخاصة قوله هنا: "إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها"؛ هو قيد احترازي يمنع فتح باب الفتن بين المسلمين، وقد أفاض في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجوب أن لا يؤدي إلى مفسدة أكبر في أماكن أخرى. ومن ذلك قوله: "فمعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإتمامه بالجهاد، هو من أعظم المعروف الذي أُمرنا به، ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر، وإذا كان هو من أعظم الواجبات والمستحبات، فالواجبات والمستحبات لا بد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة، إذ بهذا بعثت الرسل ونزلت الكتب والله لا يحب الفساد، بل كل ما أمر الله به فهو صلاح، وقد أثنى على الصلاح والمصلحين. والذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذم المفسدين في غير موضع، فحيث كانت مفسدة الأمر والنهى أعظم من مصلحته لم تكن مما أمر الله به، وإن تُرك واجب وفُعل محرم. إذاً المؤمن عليه أن يتقي الله في عباده، وليس عليه هداهم". إلى أن قال: "وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة، فيما إذا تعارضت المصالح، والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذ ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد. فإن الأمر والنهي إن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له، فان كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته. لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على إتباع النصوص لم يعدل عنها وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر وقل أن تعوز النصوص من كان خبيراً بها". [2]. إن الفسقة في هذا الزمان لهم مؤسسات تدعمهم، بل دول في داخل الشعوب الإسلامية وخارجها بهدف إفساد حياة المسلمين، وإن الذي ينصب نفسه في أي شعب من الشعوب الإسلامية التي لا تحكم بالإسلام، ليقيم الحدود على الناس، يفتح الباب على مصراعيه لتلك المؤسسات والدول، للهجوم على الإسلام والمسلمين، وإشعال نار العداوة والفتن بين المسلمين، بتحريض الأخ على أخيه، والأب والأم على ابنهما، والأسرة على الأسرة، والحي على الحي، والقرية على القرية ويحصل من الفوضى والاضطراب في البلد، ما لا قدرة لمن فتح باب الفتنة على دفعه. هذا إن لم تقم الدولة ـ وهي لم تطبق شرع الله ـ بإشعال الفتن بين الفئات لتتخذ ذلك ذريعة للقدح في الإسلام وضرب الدعاة إليه، فكيف لو قامت هي بذلك؟! إن على الذين يريدون أن ترتفع راية الإسلام في الأرض أن يسلكوا مسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعوب التي تحكم بقوانين الكفر، يَدعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ويغرسون في نفوس الناس الإيمان القوي ويزكونهم من المعاصي والآثام ببغضها، ويربونهم على الأعمال الصالحة بمحبتها ويفقهونهم في دينهم بأحكام الإسلام، على طريقة علماء الإسلام من كتبهم المعتمدة التي تحمل الدارس على الاعتدال، وعدم الإفراط أو التفريط، وتوازن بين المصالح والمفاسد، وتقدم ما هو أصلح للإسلام والمسلمين، أما أخذ الإسلام عن طريق العواطف المثارة والحماس غير المنضبط فإن ذلك يوقع في مفاسد تؤخر الدعوة إلى الإسلام أكثر مما تقدمها. وهذا ما تعانيه الأمة الإسلامية اليوم في كثير من الأقطار، من نزوع بعض الناس المتحمسين لدين الله، إلى الإقدام على ما يظنونه أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وهو في حقيقته منكر شرعاً، لما يحدثه من مفاسد، أعظم بكثير من المفاسد التي أرادوا بأمرهم ونهيهم درأها. إن تربية الشعوب على الإيمان والعمل الصالح، وشرح محاسن الإسلام لأبنائها وبيان مضار الكفر وقوانينه التي تطبق في بلدان المسلمين، وتوعيتهم بالخطر الذي يحيكه لهم أعداء الإسلام، وبالأساليب التي يجب أن تتخذ لصد ذلك ودفعه، ولو طال زمنه، هو السبيل الوحيد لإخراج الناس من الظلمات إلى النور؛ لأن الشعوب الإسلامية إذا تحققت في نفوسها تلك المعاني ستكون مستعدة لتطبيق شرع الله، بل ستحمل حكامها على تطبيقه حملاً. أما أن تقوم جماعة ضعيفة عدداً وعدة وعلماً، ثم تحاول أن تقوم بوظائف خليفة المسلمين الذي ينضوي تحت لواء دولته عامة المسلمين، كلهم جنود حق يُفْدون الإسلام بأرواحهم وأموالهم وكل ما يملكون، إن جماعة تلك صفاتها، وتريد أن تنفذ وظيفة خليفة المسلمين الذي ذلك شأنه، في وسط دول تحارب الإسلام والمسلمين بقوة الشعب كله، وإن كره، إن ذلك يعد خَرَقاً وغفلةً وجهلاً بدين الله الذي كله مصالح كما قال علماء الإسلام. إن الواجب على هذا الشباب المتحمس، أن يفقه معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليكون أمره ونهيه شرعيين، وقد فصل ذلك علماء المسلمين ووضحوه غاية الإيضاح. وقال ابن القيم رحمه الله: "فإنكار المنكر أربع درجات: الأولى: أن يزول ويخلفه ضده. الثانية: أن يقل، وإن لم يزل بجملته. الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله. الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه. فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة". [3]. والنتيجة التي نريد الوصول إليها هي: أن إقامة الحدود لا بد أن يكون متوليها ذا قوة ومنعة، لا يستعصي عليه العصاة الذين يريد إقامتها عليهم، وأن لا يكون في ذلك صدام بينه وبين الحاكم يؤدي إلى إزهاق الأرواح واستباحة الحرم، ولا يفتح باب فتنة بين مؤيدين ومعارضين تكون نتيجتها فساداً أعظم من ترك الحدود، أو تقوية أهل الفساد وزيادة سيطرتهم على مصالح المسلمين، وجعلهم يفتحون أبواباً أكثر من أبواب الفساد، فإذا كان يترتب على إقامة الحدود هذه المفاسد أو أكثر منها، فلا يجوز الإقدام على ذلك، والمعروف عندئذ، ترك الإنكار، والمنكر هو الإقدام على الإنكار. وهذا هو سبب اشتراط علماء المسلمين أن يقيم الحدود السلطان دون غيره. كما قال الكاساني، وهو يذكر شروط إقامة الحدود: "أما الذي يعم الحدود كلها فهو الإمامة، وهو أن يكون المقيم للحد هو الإمام أو من ولاه الإمام". [4]. أما الحالة الثالثة: وهي أن يكون الحاكم معارضاً لإقامة الشريعة الإسلامية: وبخاصة الحدود، ويرى أن الإسلام غير صالح، لهذا الزمن، وأن الحكم بالقانون هو المفضل عنده، فإن هذا الحاكم كافر كفراً مخرجاً له من ملة الإسلام، و لا شك فيه، والأمر هنا أهم من الحدود، وهو أنه يجب على المسلمين إزاحته إذا كانوا قادرين على الخروج عليه وخلعه من منصب الحكم؛ لأن ما قاله كفر بواح، ويشترط في الخروج عليه كذلك أن لا يترتب عليه مفسدة أكبر من و جوده. [5]. هذا كله يتعلق بالشعوب الإسلامية، وبقي أن أوجز الكلام في الحكم في بلدان غير المسلمين، كبلاد أوربا وأمريكا واستراليا وغيرها، حيث يوجد هناك جماعات إسلامية، لكل جماعة رئيس وأعضاء، ولها نظام خاص بها، فهل يجب على هذه الجماعات أن تقيم الحدود على أعضائها في حدود ما قد يتغاضى عنه حكام تلك البلاد، كالجلد مثلاً؟ والجواب عن ذلك لا بد من معرفة الأمور الآتية: الأمر الأول: أن كثيراً من أعضاء تلك الجماعات لم يصلوا إلى معرفة حقائق الإسلام، بطلب العلم على علماء من ذوى الفقه في الدين، وإن كان بعض أفرادهم قد يتمكن من التعلم على أيدي بعض العلماء لفترة وجيزة، لا يستطيع أن يستوعب فيها تفاصيل كثير من الأحكام الشرعية، وأغلب معلوماتهم يأخذونها من كتب مترجمة غير سليمة، ومعنى هذا أن الجهل يغلب عليهم وبخاصة في دقائق الأحكام الإسلامية. الأمر الثاني: أن تربيتهم على الإسلام تربية ناقصة، وأفضلهم من يحافظ على الفرائض، وقليل من يؤديها على الوجه الشرعي المطلوب، وكثير منهم قد لا يتورع عن كثير من العادات السائدة في تلك البلدان، كاختلاط الرجال والنساء والخلوة ونحوها. الأمر الثالث: أن الأصل في تلك البلدان تناول المحرمات واقتراف الموبقات، وهى ليست ميسرة فحسب لمن يريدها، وإنما هي معروضة بإغراء شديد في كل مكان، وإذا كان الفقه في الدين مفقوداً، أو ناقصاً نقصاً قريباً من الفقد، والتزكية الربانية ضعيفة، وتقوى الله في قلب المسلم لا ترقى إلى درجة الرقابة الزاجرة عن المآثم، ومغريات الشهوات والمنكرات ذات سوق نافقة مدعومة من فئات المجتمع، فكيف تقام الحدود في أمثال هذا المستنقع الآسن في دولة كافرة تحارب دين الله؟! الأمر الرابع: أن أغلب المسلمين لا يتمكنون من إيجاد أحياء خاصة بهم تتيح لهم أن يعيشوا في مجتمع يقدرون فيه على التعاون على تطبيق الإسلام حسب المستطاع، وإنما تجد المسلم يسكن بين غير المسلمين الذين يحيطون به من كل جانب ويضطر إلى الاحتكاك به شاء أم أبى. الأمر الخامس: أن قانون البلد يحمي جميع المنكرات، التي يعتبرونها من الحريات، فإذا أراد أي أحد أن يخالف تلك القوانين أرغمته الدولة على تطبيقها، وبخاصة القوانين العامة. الأمر السادس: أن الناس في تلك البلدان يفهمون الإسلام فهماً مشوهاً، بسبب الدعايات التي تبثها أجهزة الإعلام، وما يسجل في الكتب المدرسية عن الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وما يطبع من كتب وبحوث صادرة من مراكز المستشرقين، ومراكز البحوث وغيرها، ضد الإسلام، وأمور أخرى كثيرة يصعب استقصاؤها. بعد معرفة هذه الأمور ترى هل يجوز لجماعة تعيش في مثل تلك المجتمعات أن تقيم الحدود على أعضائها؟ الجهل بالدين وحده كاف في القول بعدم جواز ذلك، وإن أظهر بعضهم أنه عالم، فإن تفاصيل الأحكام ودقائقها تخفى على كثير من طلبة الشريعة العرب فضلاً عن أعاجم يأخذ أغلبهم علمه من كتب مترجمة كثير منها غير سليم. ثم إن المسلم لا بد أن يجد العالم العامل القدوة المربي حتى يتمسك بالإسلام، ويجد المجتمع الذي يغلب عليه خفاء المعاصي وإنكارها، أما أن يعيش في مجتمع الكفر والمغريات تحيط به وتطلبه بإلحاح، وهو يعيش في وسط الأسر التي تشرب الخمر في كل وقت، ونساؤها عاريات عرياً فاضحاً، متعرضات بالفتنة في كل شبر من البلد، وقانون البلد ضد الإسلام والمسلمين، ولو شكا إلى حكامها من أقيم عليه الحد لعاقبوا من أقامه وهو لا يقدر أن يدافع عن نفسه. فكيف يقال: يجوز في مثل هذا المجتمع إقامة الحدود لأفراد ضعفاء لا حول لهم ولا قوة؟ ثم إن الذي يقام عليه الحد، لا يُؤمَن أن يرتد ويترك الإسلام، ويذهب يشوهه في أوساط الناس ويؤلب من استطاع على المسلمين، وقد سمعنا أن بعض من أقيم عليه الحد قد ارتد فعلاً، وبعضهم يهدد من أقاموه عليه بالانتقام. وعندما تحصل الفتنة بين أعضاء الجماعة، قد يعتدي بعضهم على بعض بالضرب أو القتل، فتتدخل الدولة وقد تعاقب المسلمين بقفل أماكن عبادتهم، بل قد يكون الأمر أشد من ذلك فتأخذ أجهزة الإعلام في الدعاية ضد الإسلام، وتقديم أمثلة على تشويهه بما يحصل بين المسلمين بسبب الجهل بعواقب الأمور. وإنا كما يعلم الله لأشد اشتياقاً لعقاب المجرمين وتنفيذ أحكام الله على العصاة، ولكن شوقنا إلى حصول أعلى المصالح وأدنى المفاسد المتعارضة يجعلنا أشد حرصاً على رفع راية الإسلام في كل مكان. وإن السبب في تأليف هذا الكتاب لهو الحرص على مصلحة إخواننا المسلمين في كل مكان، وبخاصة أولئك الذين يعيشون في مجتمعات الكفر، الحرص على اجتماع كلمتهم، والحرص على تفقههم في الدين، والحرص على سلامتهم من التعرض للفتن من داخل أنفسهم أو من أعدائهم، والحرص على انتشار الدعوة إلى الله بين الناس. وإنه لمن حكمة الله تعالى أنه لم يُنزل آيات الأحكام الفرعية على رسوله صلى الله عليه وسلم في مكة عندما كان هو وأصحابه بين مجتمع الكفر، وإنما أنزلها عليه عندما أسس دولة يطيعها المسلم ويهابها الكافر.. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}. [6]. وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد أكمل لنا الدين الذي ضمه كتابه واحتوته سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكتب علماء الإسلام المستنبطة منهما، فإنه سبحانه وتعالى لم يكلفنا إلا ما نستطيع والذي لا يستطيع القيام بحكم من أحكام الإسلام، لا يكون ذلك الحكم واجبَ الفعلِ عليه حتى يزول المانع، فإذا استطاع صار لازماً له، وكذلك المحرم الذي يضطر إلى تناوله لا يكون محرماً عليه تركه في تلك الحال، فإذا زال الاضطرار عاد التحريم في حقه. قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}. [البقرة: 285-286]. تمت مراجعة هذا الكتاب وإضافة زيادات في بعض مباحثه، في المدينة النبوية على ساكنها صلاة الله وسلامه، في منزلي الكائن بحي الأزهري، شمال طريق أبي بكر الصديق النازل، في يوم الأحد بتاريخ 7 من شهر شعبان، لعام 1423هـ ـ الثالث عشر من شهر أكتوبر، لعام 2002م وتمت مراجعته مرة أخرى في الساعة الواحدة بعد منتصف ليلة الأربعاء 16 من شهر جمادى الآخرة لعام 1427هـ ـ 12يوليو لعام 2006م والحمد لله رب العالمين. و"سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك"
1 - مجموع الفتاوى (34/175ـ176) وراجع كتاب شيخنا العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (2/173ـ175)
2 - مجموع الفتاوى (28/126ـ129)
3 - أعلام الموقعين عن رب العالمين (3/3ـ4)
4 - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (9/4204)
5 - راجع فتح الباري (13/5ـ9)
6 - الحج: 38ـ41



السابق

الفهرس

التالي


12348426

عداد الصفحات العام

569

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م