|
فقد أخبرنا الله تعالى أن رحمته واسعة شاملة لكل مخلوقاته، فلا يحرم منها أحد في الحياة الدنيا، كما قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)} [1].
قال الشيخ الألوسي رحمه الله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} "أي شأنها أنها واسعة تبلغ كل شيء، ما من مسلم ولا كافر، ولا مطيع ولا عاص، إلا وهو متقلب في الدنيا بنعمتي"[2].
وقال الشيخ السعدي رحمه الله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} "من العالم العلوي والسفلي، والبر والفاجر المؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا قد وصلت إليه رحمة الله وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} المعاصي صغارها وكبارها، {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} الواجبة لمستحقيها، {وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}"[3].
قال تعالى واصفاً رسالة نبيه محمد صلى الله عليه و سلم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[4].
فدين الإسلام رحمة للعالمين في الدنيا، حتى الذين يكفرون به عندما تكون له الهيمنة، وهم يستظلون في ظله يأمنون على دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فلا يخافون من أي اعتداء عليهم من المسلمين أو من غيرهم، هذا في الدنيا.
ونفى الله تعالى رحمته عمن لم يرحم الناس، كما في حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه، قَال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ((لا يرحم الله من لا يرحم الناس))[5].
وهو نفي عام يدخل فيه كل الناس، والنفي هنا للوعيد والتحذير والتنفير من الغلظة والشدة والعدوان على الناس، ولا يلزم منه حرمان الكفار الذين لا يرحمون الناس، من رحمة الله لهم في الدنيا، بمنحهم الرزق والصحة والقوة المادية والذرية وغيرها، ابتلاءً لهم وامتحاناً؛ لأن رحمة الله في الدنيا تعم جميع خلقه، ومنهم الكفار، كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)} [6]. فقد طلب إبراهيم من ربه أن يخص برزقه المؤمنين، فقال له: { وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً}.
أما في الآخرة فمن طلب رحمة الله في هذا الدين في حياته الدنيا وجدها في الآخرة، ومن أباها ورفضها في الدنيا فقدها في الآخرة، ولهذا قيَّد تعالى رحمته في الآخرة في آيات كثيرة بأنها رحمةٌ لمن آمن به وأطاعه، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[1 : 52].
وعلى هذا الأساس لا ينال رحمة الله في الآخرة إلا من طلبها في الدنيا بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه و سلم، كما قال تعالى عن إبليس: { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ (34)} [6].
وفي حديث أبي هريرة، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه و سلم قال: ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى- قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟! قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى))[9].
ولهذا كانت رحمته في الآخرة، خاصة بالمؤمنين من عباده، ممن آمنوا برسله ولم يفرقوا بين أحدٍ منهم، وخاتمهم رسول الله إلى العالمين محمد صلى الله عليه و سلم، الذي لا ينال رحمة الله إلا من آمن به واتبع صراطه المستقيم.
رحمة الرسول صلى الله عليه و سلم بأمته:
ورحمة الله برسالته كرحمته بوحيه واسعة شاملة لكل من أراد الاهتداء بها، وإنما خص المؤمنين بكونه رحمة لهم لانتفاعهم به، بخلاف الكافرين، وكان الرسول صلى الله عليه و سلم شديد العطف والرحمة والرأفة بأمته، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)} [10].
وكان صلى الله عليه و سلم لشدة حرصه على إيمان الناس كلهم بما جاء به من عند ربه، وشفقته عليهم، يحزن حزناً شديداً على عدم استجابتهم، خوفاً عليهم من سوء عاقبتهم عند ربهم، ولهذا كان الله تعالى يسليه بما ينزل عليه من آياته، مثل قوله تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ(33)} [11].
وقال تعالى: {وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70)} [12].
وقوله: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً(6)}[13].
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير آية 13: {بهذا الحديث} يعني القرآن {أسفاً} يقول: لا تهلك نفسك أسفاً.... أي لا تأسف عليهم, بل أبلغهم رسالة الله, فمن اهتدى فلنفسه, ومن ضل فإنما يضل عليها, ولا تذهب نفسك عليهم حسرات".
وكان يحزنه صلى الله عليه و سلم ويعظم عليه ما يصيب أمته المؤمنة من مشقة وعنت، كما قال تعالى عنه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)} [14].
وتأمل شدة رحمته صلى الله عليه و سلم ورأفته، على أمته، التي تضمنها حديث جابرٍ رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه و سلم: ((مثَلِي ومثَلُكُمْ كَمَثَل رجُلٍ أَوْقَدَ نَاراً فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَراشُ يَقَعْنَ فيهَا وهُوَ يذُبُّهُنَّ عَنهَا، وأَنَا آخذٌ بحُجَزِكُمْ عَنِ النارِ، وأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ منْ يَدِي))[15].
قال الإمام النووي رحمه الله: "ومقصود الحديث أنه صلى الله عليه و سلم، شبه تساقط الجاهلين والمخالفين بمعاصيهم وشهواتهم في نار الآخرة، وحرصهم على الوقوع في ذلك مع منعه إياهم وقبضه على مواضع المنع منهم، بتساقط الفراش في نار الدنيا لهواه وضعف تمييزه، وكلاهما حريص على هلاك نفسه ساع في ذلك لجهله"[16].
وفي رسول الله قدوة لأمته في الرحمة:
وإن لأمته صلى الله عليه و سلم، لقدوةً حسنة وهدياً كريماً: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}[17].
|
|