|
يا شباب اليمن، لقد ضحيتم في سبيل حريتكم ونيل كرامتكم وابتغاء عزكم ونصر دينكم، بكل ما تملكون بما في ذلكم نفوسكم ودماؤكم، وكدتم تصلون إلى هدفكم الذي ضحيتم بذلكم من أجله، بإسقاط صنم من قاد بلادكم إلى الخسار والبوار، ولكن ذوي الحيل والخداع حاكوا لكم، ما يجيدون حياكته من الخبب والغدر، وقطعوا طريقكم إلى تحقيق ما تصبون إلى تحقيقه من نجاح وفلاح، ودبروا لكم المكايد في صورة النجاح والفوائد.
وقد بدا ما حاكوه لكم من حيل وخداع، حتى ظهر كيدهم جليا بلا نزاع، والمسلم الحق مسالم، ولكنه ليس خداعا، ولا يخدعه الخدّاع، كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: "لست بالخب ولا الخب يخدعني" والخب هو الخبيث الماكر الغدار.
http://ar.islamway.net/fatwa/41567
وهاهي أسراب الوحوش اليوم تحيط بكم من كل جانب، يسوقها إلى أسوار مدنكم حاقدون في صور محبين، وأعداء فيما بينهم على حربكم متعاونين، يتكاتف معهم على تدميركم من في صفوفكم لكم معادين، ويتخذون من الحياد معبرا إلى خنقكم بالسلاسل وذبحكم بالسكاكين.
وهل في الحياد عن رفع الظلم عن المظلومين غير الظلم الغاشم؟ الذي يخالف ما أنزله الله في كتابه من العدل الذي لا يخالفه إلا معند آثم: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)} [الحديد]
وقد أمر الله تعالى بالعدل المطلق مع القريب والبعيد والمسلم واغير المسلم، فقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)} [المائدة]
وخص سبحانه وتعالى اختلاف المؤمنين فيما بينهم، بوجوب الإصلاح بين الطائفتين منهم بالعدل، وأوجب قتال الطائفة الباغية على غيرها حتى تعود عن بغيها، فقال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)} [الحجرات]
حذر تعالى من عدم ردع الظالم عن ظلمه، وأخبر أن مصائبه تعم الظالم وغيره ما لم يُكف عن ظلمه، فقال تعالى {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)} [الأنفال]
وأخبر الله تعالى أنه حرم الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرما، ونهاهم عن التظالم فيما بينهم، كمافي حديث أبي ذَرّ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال:- فيما روى عن الله تبارك وتعالى - أنه قال: (يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي ، وجعلتُه بينكم محرَّما ، فلا تَظَالموا...) [أخرجه مسلم والترمذي]
وأمرنا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، بنصر المظلوم على الظالم، ونصر الظالم على نفسه وهواه، روى أنس بن مالك - رضي الله عنه - : قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (انْصُرْ أخَاكَ ظالما أو مظلوما، فقال رجل: يا رسولَ الله أنصرُه إِذا كان مظلوما، أَفرأيتَ إِن كان ظالما: كيف أنصُرُهُ ؟ قال: تحجزُه أو تمنعُه عن الظلم ، فإن ذلك نَصْرُهُ). وفي رواية نحوه ، قالوا : "كيف ننصره ظالما"؟ قال: (تأخذُ فوقَ يديه). [أخرجه البخاري، والترمذي.]
وإن الذي يعدك بالعدل ورفع الظلم، ولا يفي بذلك وهو قادر عليه، - وبخاصة من يوثق وعده وعهده باليمين - لمنافق مخادع، ينطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي رواه عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- : (أَربع مَنْ كُنّ فيه كان منافقا خالصا. وَمَنْ كانت فيه خَصْلَة منهن كانت فيه خَصْلَة مِنَ النِّفَاق ، حتى يَدَعَهَا : إِذا ائْتُمِن خَانَ ، وإِذا حَدّث كَذَبَ. وإِذا عَاهَدَ غَدَرَ. وإِذا خَاصَم فجر). [أخرجه الجماعة ، إِلا الموطأ... وقال الترمذي : معنى هذا - عند أهل العلم - نفاق العمل. وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم]
وإن المسئولية العظيمة لتقع في وجوب رفع الظلم عن المظلومين على ولاة أمر المسلمين، مدنيين وعسكرييين، فقد روى عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - : قال : سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسؤْولٌ عن رَعِيَّتِهِ، فالإمامُ رَاعٍ، ومَسْؤولٌ عَن رَعِيَّتِهِ، ...) الحديث [ البخاري، ومسلم].
وإذا لم يقم ولاة الأمر بمسئوليتهم، في إبعد الضرر عن الأمة ورفع المشقة عنهم، فجزاؤهم ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي رواه أبو صرمة بن قيس الأنصاري المازني : عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال : (من ضارَّ أضرَّ اللهُ به، ومن شاقَّ شقَّ اللهُ عليه). [أخرجه أبو داود.وحسنه الألباني]
الحذر من المخادعين!
وعليكم يا شباب اليمن المتطلعين إلى حريتكم واستقلالكم، أن تحذروا ألاعيب السياسة والسياسيين، الذين لا عهد لهم ولا وفاء به، اتباعا لما يظنونه من مصالحهم، فيبرمون مع قوم حلفا وعهدا موثقا، ثم يتحينون الفرص ليجدوا من هو أكثر عددا أو أقوى عدة، أو أوفر مالا، فيينقضون ما أبرموه من عهد مع حليفهم الأول، وينتقلون إلى الأقوى أو الأكثر، ضد السابق، وهذا ما يشاهد اليوم من كثير من الأحزاب والدول، فقد حذر الله تعالى من ذلك تحذيرا واضحا صريحا، فقال تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمْ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92)} [النحل]
قال الطبري رحمه الله في تفسيره للآية: الطبري: ... "قال ابن زيد: هؤلاء قوم كانوا حلفـاء لقوم تـحالفوا وأعطى بعضهم العهد، فجاءهم قوم، فقالوا: نـحن أكثر وأعزّ وأمنع، فـانقضوا عهد هؤلاء وارجعوا إلـينا ففعلوا، فذلك قول الله تعالـى: وَلا تَنْقُضُوا الأيـمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُـمُ اللّهَ عَلَـيْكُمْ كَفِـيلاً أن تكون أمة هي أربى من أمة، هي أرَبى أكثر من أجل أن كان هؤلاء أكثر من أولئك، نقضتـم العهد فـيـما بـينكم وبـين هؤلاء، فكان هذا فـي هذا."
وقال القرطبي في تفسير الآية - أيضا: "لا تنقضوا العهود من أجل أن طائفة أكثر من طائفة أخرى أو أكثر أموالا فتنقضون أيمانكم إذا رأيتم الكثرة والسعة في الدنيا لأعدائكم المشركين."
وقال سيد قطب رحمه الله: " وكان بعضهم يبرر لنفسه نقض عهده مع الرسول [ ص ] بأن محمدا ومن معه قلة ضعيفة, بينما قريش كثرة قوية. فنبههم إلى أن هذا ليس مبررا لأن يتخذوا أقسامهم غشا وخديعة فيتخلوا عنها: (تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة) أي بسبب كون أمة أكثر عددا وقوة من أمة. وطلبا للمصلحة مع الأمة الأربى. ويدخل في مدلول النص أن يكون نقض العهد تحقيقا لما يسمى الآن "مصلحة الدولة " فتعقد دولة معاهدة مع دولة أو مجموعة دول, ثم تنقضها بسبب أن هناك دولة أربى أو مجموعة دول أربى في الصف الآخر , تحقيقا لمصلحة الدولة!
فالإسلام لا يقر مثل هذا المبرر, ويجزم بالوفاء بالعهد، وعدم اتخاذ الأيمان ذريعة للغش والدخل. ذلك في مقابل أنه لا يقر تعاهدا ولا تعاونا على غير البر والتقوى. ولا يسمح بقيام تعاهد أو تعاون على الإثم والفسوق والعصيان، وأكل حقوق الناس, واستغلال الدول والشعوب . . وعلى هذا الأساس قام بناء الجماعة الإسلامية وبناء الدولة الإسلامية فنعم العالم بالطمأنينة والثقة والنظافة في المعاملات الفردية والدولية يوم كانت قيادة البشرية إلى الإسلام.
والنص هنا يحذر من مثل ذلك المبرر , وينبه إلى أن قيام مثل هذه الحالة: (أن تكون أمة هي أربى من أمة)هو ابتلاء من الله لهم ليمتحن إرادتهم ووفاءهم وكرامتهم على أنفسهم وتحرجهم من نقض العهد الذي أشهدوا الله عليه: (إنما يبلوكم الله به). .
|
|