﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

(025)أثر تربية المجتمع - اجتناب الغيبة
الغيبة أن يذكر المسلم أخاه بما يكره وهو غائب، سواء كان ما ذكره موجوداً فيه أم لا، بل إذا لم يكن فيه، فهو مع كونه غيبة بهتان وافتراء، والأدب الإسلامي يقضي بأن يأمن الإنسان على عرضه في حضوره وغيبته. وقد نهى الله تعالى عن الغيبة، مشبهاً من يغتاب أخاه المؤمن، بآكل لحمه بعد موته، وهو غاية في التنفير عن هذا الخلق السيئ. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ(12)} [الحجرات]. وفي هذا التشبيه لطيفة، وهي أن الذي يتكلم في عرض أخيه، وهو غائب شبيه بمن يأكل لحم الميت، بجامع أن كلاً منهما لا يقدر أن يدافع عن نفسه، هذا بالإضافة إلى بشاعة الغيبة، كبشاعة أكل لحم الميت من البشر. وقد بين صلى الله عليه وسلم، معنى الغيبة في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (أتدرون ما الغيبة؟) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (ذكرك أخاك بما يكره) قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم فيه ما تقول فقد بهته).[ مسلم (4/2001).] يفهم من هذا الحديث أن من اغتاب المسلم بما فيه، يأثم على الاغتياب، وأن من اغتابه بما ليس فيه، فعليه إثمان: إثم الاغتياب، وإثم الافتراء والكذب عليه. هذا وإذا استمرأ المجتمع الكلام في أعراض الغائبين في مجالسهم، ولم ينكروا ذلك، فإن أعراض عامة المجتمع تنتهك، إذ يصبح ذلك عادة في المجالس دون نكير، وكل من غاب عن المجلس يكون عرضة لاغتيابه ونهش عرضه، لعدم وجود من ينصره ويدافع عنه وهو غائب. ويترتب على ذلك إساءة الظن والحقد وعدم الثقة، لهذا كان من الواجب على المسلمين أن يحاربوا هذه الصفة الذميمة في مجالسهم، فلا يأذنوا لأحد بالكلام في أعراض الغائبين، ليعملوا بما رواه أبو الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (من رد عن عرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة) [الترمذي (4/327) وقال: هذا حديث حسن.]. والمسلم الذي لا يقدر على الرد عن عرض أخيه المسلم في المجالس، لا يجوز له أن يغشى تلك المجالس لغير ضرورة. قال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً(40)}[النساء]. قال القرطبي رحمه الله: "فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي، إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر؟ قال الله تعالى: {إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ}. فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم، يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم، فينبغي أن يقوم عنهم، حتى لا يكون من أهل هذه الآية" [الجامع لأحكام القرآن (5/418).]. فقد حمل القرطبي الآية على عموم المعاصي، كفراً كانت أو غيره، والغيبة إحدى تلك المعاصي التي لا ينبغي للمسلم أن يحضر مجالسها، إلا إذا قدر على إنكارها. وأخطر من الغيبة النميمة، وهي نقل الكلام بين الناس للإفساد بينهم، وقد يجتمع في النميمة الأمور الثلاثة: نقل الكلام الذي هو من طبيعتها، والغيبة، إذا كان الذي نقل عنه الكلام غائباً، والبهت إذا كان ما نقله النمام من الكلام من افترائه، ولهذا كانت النميمة أشد خطراً من الغيبة. وقد أورد الإمام البخاري رحمه الله النصوص المتعلقة بالنميمة في "باب الغيبة" وفي باب: "النميمة من الكبائر" ولعله يشير إلى ما ذكر. روى ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، من بعض حيطان المدينة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال: (يعذبان، وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير، كان أحدهما لا يستتر من البول، وكان الآخر يمشي بالنميمة، ثم دعا بجريدة، فكسرها بكسرتين أو ثنتين، فجعل كسرة في قبر هذا وكسرة في قبر هذا، فقال: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) [البخاري (7/86) ومسلم (1/240).]. وإن ما يفعله النمام من الإفساد بين الناس والتفريق بينهم، وإثارة الأحقاد وما قد يؤدي إليه من البغضاء والتدابر والتقاتل، لجدير بأن يجعل المسلمين يأخذون على يديه ولا يأذنوا له بنقل الحديث من بعضهم إلى بعض، لا سيما ولاة الأمر الذين إذا أوغر صدورهم بالنميمة والاغتياب، كانوا أقدر من غيرهم على عقاب من قصدهم النمام بنميمته، فيقعون في إثم عظيم بسببه، ويتولى كثير من الإعلاميين - في وسائل الإعلام المتطورة - اليوم كِبْرَ التحريش بين الناس، أفرادا وأسرا وجماعات ودولا، ولهم في ذلك وسائل متنوعة، بعضها مباشرة، وبعضها غير مباشرة، والذي يتابع كثيرا من الإعلاميين، والموضوعات التي يطرقونها، يتبين له كثرة كذبهم الذي لا يخجلون منه، مع شدة ظهوره. ويجب أن يعلم من ينقل إليه النمام الحديث من آخر، أنه سينقل عنه الحديث إلى ذلك الآخر أو غيره، وأنه إذا كذب عنده على غيره فسيكذب عليه عند آخرين، وما الذي يمنع مرتكب الكبيرة من الإضرار بالجانبين، ولذلك سماه الرسول صلى الله عليه وسلم، ذا الوجهين؛ لأنه يأتي هذا بوجه وذاك بوجه، أي أنه يبدو ناصحاً لهذا مبغضاً لذلك، فإذا جاء الآخر بدا كذلك محباً له ناصحاً له مبغضاً لخصمه، ومن هنا كان من شر الناس. كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تجد من شر الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه) [البخاري (7/87) ومسلم (4/2011).]. ومما ورد في النمام من الوعيد أنه لا يدخل الجنة، كما روى حذيفة t، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا يدخل الجنة قتّات) [البخاري (7/86) ومسلم (1/101) والقتّات النمّام.]. هذا، وليعلم أن من أخطر النمامين المشائين بين الناس بنقل الحديث، أولئك الذين قد يظهرون في صورة الصلحاء الناصحين المحبين لمن نقلوا إليه الحديث، الخائفين عليه من الآخرين، وقد يتظاهرون بالخوف على الدين ويصفون بعض الناس بأوصاف تدل على عدائهم للدين أو مبدأ معين، ويحذرون من هؤلاء الذين يخشى على ذلك المبدأ منهم، وينقلون عنهم زوراً وبهتاناً ما هم بريئون منه، بل قد يكون المتَّهَم أحرص على الدين وعلى المبدأ، من أولئك النمامين الكاذبين. نعم إن هؤلاء أخطر من غيرهم لتلبسهم بلباس المتدين الناصح، وقد لا يصرحون بأسماء الأشخاص إيغالاً منهم في التلبس بالنصح، وعدم محبة ذكر الأسماء تفادياً للغيبة، ولكنهم يذكرون أوصافاً لهم تُعَيِّنُهم، وذلك قائم مقام التعيين بالاسم، وكثير من هؤلاء المشائين بالنميمة، إذا فتش عنهم المتثبت الذي يخاف الله واليوم الآخر، ويعمل بقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6)}[الحجرات]. إذا فتش المتثبت عن هؤلاء، وجدهم كاذبين فيما ينقلون، متصفين بالزور والبهتان، يتخذون ذلك وسيلة للتقرب إلى من يظنون أنه يقدر على قضاء حاجاتهم بالمال أو الجاه والمنصب، أي أنهم يتَأكَّلون بالتظاهر بالحرص على المبدأ والدفاع عنه، من أجل الحصول على فتات الدنيا. وقد بوَّب الإمام البخاري رحمه الله لأمثال هؤلاء بقوله: "باب قول الله تعالى: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ(30)}[الحج]. وساق حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) [البخاري (7/87).]. أي أن المتعبد الكاذب الذي يصوم رمضان - وكذا الذي يصلي ولا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر - لا حاجه لله في عبادته المصطنعة. ولعل الرسول صلى الله عليه وسلم، عنى أمثال هؤلاء عندما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمعه يقول ـ: (يخرج في آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضان من اللين، ألسنهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله عز وجل: أبي يغترون، أم علي يجترئون؟ فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم منهم حيران). [قال المنذري في الترغيب والترهيب: إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما وضعفه الألباني] وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الله تعالى قال: لقد خلقت خلقاً ألسنتهم أحلى من العسل الحديثان في سنن الترمذي، وقال عقب حديث ابن عمر: هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عمر.، وقلوبهم أمر من الصبر، فبي حلفت لآتينهم فتنة تدع الحليم حيران، فبي يغترون أم علي يجترئون) [الحديثان في سنن الترمذي، وقال عقب حديث ابن عمر: هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عمر.]. فعلى المجتمع الإسلامي أن يحذر ذوي الألسنة الحلوة والملمس اللين، وهم يحملون قلوباً خبيثة مليئة بالحقد، وهي أشد مرارة من الصبِر، وإلا فكيف يأمن المسلم، بل كيف يأمن المجتمع كله، إذا كان أفراده لا يتورعون عن الولوغ في أعراض الناس بالقال والقيل، عند آخرين لا يتثبتون مما ينقل إليهم عن إخوانهم من قالة السوء، وهل يجوز قبول كل ما ينقل من التجريح والاتهام بدون تثبت، وهل المسلم الذي ينقل الحديث أو يجرح مسلماً معصوم، ولو كان ظاهره الصلاح؟ إذا كان الله تعالى قد أمر بالتثبت في عهد رسوله صلى الله عليه وسلم، الذي كان أصحابه أشد خشية لله من سواهم، وكانوا يتحرجون من الحديث في أعراض الناس، فكيف بهذا الزمن الذي لبس فيه فساقٌ ثيابَ أتقياء؟ نعم يجب على المسلم إذا رأى منكراً أن ينصح فاعله، فإذا أصر عليه نقل ذلك إلى من يقدر على إزالته من أولياء الأمور، وذلك من الحسبة الشرعية، ولكن هذا لا يلغي وجوب التثبت من الأمر خوفاً من: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6)} [الحجرات]. ويجوز للمظلوم أن يذكر ظالمه بما فيه ولو كان غائباً عند من يعينه عليه، وليس عند غيره ممن لا يستفيد منه إذا اغتاب لديه.كما قال تعالى: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً(148)} [النساء]. وبهذا يعلم أن إقرار المسلمين، أفراداً وجماعات انتشار الغيبة والنميمة، في الأمة الإسلامية من أهم وسائل إضعاف الأخوة الإسلامية، ومما يفقد المسلمين الأمن والاطمئنان.



السابق

الفهرس

التالي


12434541

عداد الصفحات العام

2613

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م