[
الصفحة الرئيسية
] [
حول الموقع
] [
تعريف بصاحب الموقع
]
﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب
::
66- سافر معي في المشارق والمغارب
::
(34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف
::
(033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف.
::
(067) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(066) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف
::
(065) سافر معي في المشارق والمغارب
::
(030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث
::
::
::
::
::
::
::
::
::
::
جملة البحث
جميع محتويات الموقع
المقالات العامة
مقالات الحدث
الجهاد في فلسطين
2 أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع المسلم
المقالات العامة
الإيمان هو الأساس
غيث الديمة الجزء الأول
غيث الديمة الجزء الثاني
حوارات مع أوربيين مسلمين
حوارات مع أوربيين غير مسلمين
الحدود و السلطان
حكم زواج المسلم بالكتابية
رحلة هونج كونج
جوهرة الإسلام
كتاب الجهاد
المسئولية في الإسلام
دور المسجد في التربية
كتاب سبب الجريمة
كتاب الشورى في الإسلام
كتاب السباق إلى العقول
الإيمان إصطلاحاً و أثره سلوكاً
كتاب طل الربوة
كتاب الوقاية من المسكرات
الكفاءة الإدارية
معارج الصعود إلى تفسير سورة هود
مقدمة سلسلة في المشارق و المغارب
المجلد الأول : رحلات الولايات المتحدة الأمريكية
المجلد الثاني : رحلات المملكة المتحدة (بريطانيا) و آيرلندا
المجلد الثالث : رحلات اليابان وكوريا وهونغ كونغ
المجلد الرابع:رحلات إندونيسيا الجزء الأول 1400هـ ـ 1980م
المجلد الخامس : الرحلة إلى إندونيسيا الجزء الثاني 1410هـ ـ 1990م
المجلد السادس : رحلات إندونيسيا الجزء الثالث 1419هـ ـ 1989م
المجلد السابع : رحلات أستراليا و نيوزيلاندا و سريلانكا
المجلد الثامن : رحلات كندا و إسبانيا
المجلد التاسع : رحلات سويسرا و ألمانيا و النمسا
المجلد العاشر : رحلات بلجيكا و هولندا و الدنمارك
المجلد الحادي عشر:رحلات السويد و فنلندا و النرويج
المجلد الثاني عشر : رحلات فرنسا و البرتغال و إيطاليا
المجلد الثالث عشر : رحلات سنغافورة و بروناي و تايوان
المجلد الرابع عشر : رحلات باكستان و الهند
المجلد الخامس عشر : رحلات تايلاند (بانكوك)
المجلد السادس عشر : الرحلة إلى ماليزيا
المجلد السابع عشر : رحلات الفلبين
المجلد الثامن عشر : رحلة كينيا
الفهرس
من هنا بدأت المحاضرة السابعة في 4/6/1384هـ
قوله تعالى:
{أفمن كان على بينة من ربه}
. القاعدة المعروفة أن حرف العطف المقترن بهمزة الاستفهام لا يخلو من أحد أمرين: الأمر الأول: أن الهمزة متعلقة بجملة محذوفة دل المقام عليها، وحرف العطف عاطف للجملة المذكورة على الجملة المحذوفة، فيكون التقدير على هذا: أيستوي من لا يريد إلا الحياة الدنيا وقد امتلأ قلبه بالكفر وهو في غاية من الجهل وهو ما يفيده قوله تعالى:
{من كان يريد الحياة الدنيا}
وقد تقدم .. والمؤمن العالم الذي على هدى؟ ولهذا الوجه أمثلة كثيرة في القرآن وغيره، من الشواهد العربية.. ومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى:
{أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}
الآية.. [فاطر:8].. ومن الشواهد العربية قول الشاعر:
[لم أدرك مع الشيخ إلا محل الشاهد: أَرُشْدٌ طِلابُها وتكملة البيت من كتاب المساعد على تسهيل الفوائد (2/474)]. أي أم غي وهو ما أشار إليه ابن مالك في الخلاصة بقوله:
الأمر الثاني: أن أداة الاستفهام متزحلقة عن محلها، فتقدمت لفظاً لكونها لها الصدارة، وأصل محلها التأخر، فيكون التقدير على هذا: فأمن .... الخ..
{على بينة}
البينة كل دليل واضح يوضح الحق ولا يترك فيه لبساً، بدليل قاطع، أو شهود، وأقوال العلماء فيها ترجع إلى ذلك، فهي البرهان المؤيد بالعلم..
{ويتلوه}
الضمير، قيل يرجع إلى "من" والصحيح أنه راجع إلى البينة، لأنها مذكرة في المعنى، وإن كانت مؤنثة في اللفظ، والمعنى ويتبعه ـ أي يتبع الدليل والبرهان، ومن إتيان تلا بمعنى تبع قوله تعالى:
{وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا}
[الشمس:2].. أي تبعها.. لما ذكر جـل وعلا حال الكفار المعاندين، بين أن صفات النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين غير صفاتهم، فأولئك جهلة، كل ما يريدون ويقصدون هو الحياة الدنيا، هؤلاء على علم وبينة وبرهان، قصدهم الوحيد هو رضا الله والآخرة ونعيمها.. شاهد الشاهد كل ما يؤيد الحق، ومنه الشهود على الحقوق والمراد به القرآن بقرينة عطف جنسه عليه، وهو قوله تعالى:
{ومن قبله كتاب موسى}
فالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على نور وبرهان هو التوحيد الذي يمده ويتبعه هذا الشاهد الذي هو القرآن، وقيل المراد بالبينة الفطرة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه جاءه الوحي وهو يتحنث في غار حراء فتلاه أي تلا هذا النور الفطري الوحي، وليس في تفسير الشاهد بالقرآن تكرار، إذ المراد من كان على علم نور ودين تتبعه الشواهد المؤيدة له. وبعضهم يفسر الشاهد بالنبي صلى الله عليه وسلم مستدلاً بورود ذلك وصفاً له في القرآن ، كقوله تعالى:
{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً}
[الفتح: 8]..
{منه}
الضمير يعود إلى القرآن، أو الله تعالى. قوله تعالى:
{ومن قبله كتاب موسى}
أي ومن قبل هذا الشاهد التالي للبينة شاهد آخر، وهو كتاب موسى، والمراد به التوراة.
{إماماً ورحمة}
الإمام كل ما يقتدى به في الخير، وربما أطلق على من يقتدى به في الشر، وهو نادر، كقوله تعالى:
{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ}
[القصص:41].. والرحمة هي النعمة العظمى التي أنعم الله بها على الناس، وهي دينه الذي تضمنته الكتب السماوية، لأن فيها خير البشرية في دينها ودنياها..
{أولئك يؤمنون به}
والإشارة راجعة إلى "من" في قوله:
{أفمن كان على بينة}
باعتبار المعنى، ومراعاة اللفظ والمعنى في القرآن كثيرة، والذين يمنعون مراعاة اللفظ بعد مراعاة المعنى، يرد عليهم قوله تعالى:
{وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقا}
[الطلاق: 11].. فقد روعي لفظ: "من" الموصولة فعاد الضمير إليها مفرداً في قوله: "يؤمن" و"ويعمل" ثم روعي المعنى في قوله: "خالدين فيها" ثم روعي اللفظ مرة أخرى في قوله:
{قد أحسن الله له رزقا}
. والضمير في قوله:
{يؤمنون به}
يعود إلى شاهد الذي هو القرآن الكريم أي يؤمنون بهذا الكتاب، لأن أنوار الإيمان ودلائله قد تتابعت لهم. قوله تعالى:
{ومن يكفر به من الأحزاب}
الأحزاب جمع مكسر محلى بأل الاستغراقية، والمراد كل حزب، سواء كان من النصارى، أو من اليهود، أو من المجوس، أو من غيرهم، ممن شملهم وصف الكفر.
{ فالنار موعده}
أي إذا بلغهم هذا الشاهد ولم يؤمنوا به فهم في النار وفي هذا دليل على عموم رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد دلت على ذلك آيات قرآنية كثيرة. منها قوله تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}
[سبأ: 28].. وقوله تعالى:
{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}
[الأعراف:158]. وقوله تعالى:
{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً}
[الفرقان:1].. والموعد يأتي اسم زمان، واسم مكان، ومصدراً ميمياً، والمراد به هنا اسم المكان، أي مكان وعده، ومنه:
{وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ}
[الحجر:43].. قوله تعالى:
{فلا تك في مريه منه }
. المرية: الشك، وأصل "تَكُ" تكن، حذفت نونها للتخفيف، وذلك جائز إذا دخل عليها جازم، كما هنا والتحقيق أنه يجوز الحذف سواء كانت بعد النون "أل" أم لا، وبعضهم يقيد الجواز بما إذا لم تكن بعده أل، ومن الأمثلة، لم تك المرآة وقد أشار ابن مالك في الخلاصة إلى الجواز مطلقاً بقوله:
والضمير في "منه" يعود إلى الشاهد، أي لا تكن في شك في كون ذلك الشاهد حقاً، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يشك، ولكنه قد يؤمر وينهى تشريعاً لغيره، ومن أمثلة ذلك بالإجماع قوله تعالى في سورة الإسراء:
{يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ}
[الإسراء:23-24].. فقد خاطب الله سبحانه وتعالى الرسول صلى الله عليه وسلم ليشرع لأمته بدليل أن أبويه لم يكونا موجودين وقت الخطاب، بل قد ماتا قبل ذلك بزمن، فهو من باب: "إياك أعني واسمعي يا جارة".. قوله تعالى:
{إنه الحق من ربك}
أي هذا القرآن هو الحق، الثابت الذي لا يزول ولا يضمحل، والمراد أنه مطابق للواقع لا كذب فيه، كائن مبدؤه "من ربك" وليس من غيره..
{ولكن أكثر الناس لا يعلمون}
هذه الآية تدل أن أكثر الناس ليسوا بمؤمنين، فأهل النار هم الأكثر، كما بين ذلك في آيات كثيرة وأحاديث.. كما قال تعالى:
{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}
[يوسف:103].. وقال تعالى:
{وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ}
[الصافات:71].. وقد بينت الأحاديث الصحيحة أن نصيب النار تسعة وتسعون وتسعمائة من الألف، وأن نصيب الجنة واحد من الألف. [راجع صحيح البخاري (7/195-196) وصحيح مسلم (1/200-202)].. قوله تعالى:
{ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً}
. أي لا أحد أظلم ممن افترى الكذب على الله، ككفار مكة الذين ادعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ساحر وشاعر وكاهن، وأن القرآن سحر وشعر وكهانة "أولئك" أي المكذبون المفترون "يعرضون" للمجازاة فيجدون غب الخلود في النار..
{ويقول الأشهاد}
جمع شاهد، وجمع الفاعل على أفعال نادر، والمراد الذين يشهدون عليهم في المحشر، ومنهم الملائكة الموكلون بهم..
{هؤلاء الذين كذبوا على ربهم}
. أي بادعاء الأولاد له والشركاء تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً..
{ألا لعنة الله على الظالمين}
. "ألا" حرف تنبيه ومن فوائدها إحضار ذهن السامع لما بعدها، والظالمون هم الذين يضعون الأشياء في غيره موضعها، لأن من يعبد غير الله تعالى يضع العبادة في غيره موضعها، وإنما أظهر في محل الإضمار، أي لم يقل: ألا لعنة الله عليهم ليسجل الصفة المستوجبة لِلَّعن عليهم، وهي الظلم، وذلك شامل لهم ولكل من اتصف بصفتهم. قوله تعالى:
{الذين يصدون عن سبيل الله}
هذا الفعل "صد" يستعمل لازماً ومتعدياً، وهو هنا متعد، وحذف المفعول لإفادة التعميم، أي يصدون الناس، وهم أنفسهم يصدون أيضاً، أي يعرضون بدليل قوله:
{ويبغونها عوجا}
بعد ذلك، ومصدر المتعدي من صدَّ الصَّد، كما قال ابن مالك في الخلاصة:
ومضارعه مضموم العين لا غير، ومصدر اللازم الصدود على وزن فعول، كما قال ابن مالك في الخلاصة أيضاً:
والسبيل هي الطريق، وأضيفت إلى الله لأنه هو الذي شرعها ووعد سالكها بالثواب، كما وعد مجتنبيها بالعقاب، وهي تذكر وتؤنث. من هنا بدأت المحاضرة الثامنة في 6/7/1384هـ قوله تعالى:
{ويبغونها عوجا}
الضمير راجع إلى السبيل فهي مؤنثة هنا، ومن إعادة الضمير إلى السبيل مذكراً قوله تعالى:
{وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً}
[الأعراف:146].. ومعنى
{يبغونها عوجا}
أي يطلبون تلك السبيل لأن تكون معوجة، وقوله:
{عوجا}
مصدر نعت به، أي في حال كونها عوجاء، ووقوع المصدر المنكر حالاً جائز في اللغة العربية، وإليه أشار ابن مالك في الألفية بقوله:
ومما يدخل في طلبهم اعوجاج السبيل الكفر وادعاء الأولاد والشركاء لله تعالى. قوله تعالى:
{وهم بالآخرة هم كافرون}
أعاد الضمير للتوكيد أي لتوكيد كفرهم، و"الآخرة" نعت لمحذوف، أي الدار الآخرة وحذف المنعوت والنعت جائز إذا سلم السياق من التباس المعنى، كما قال ابن مالك في الألفية:
قوله تعالى:
{أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض}
. تعود الإشارة إلى من تقدمت صفاتهم، التي هي الظلم، والصد عن سبيل الله، وابتغاء العوج فيها، ومعجزين جمع المعجز، وهو اسم فاعل أعجز، وهو متعد ومفعوله هنا محذوف، تقديره: ربهم، والمراد أنهم لا يفوتون الله سبحانه وتعالى كما يحدث لبعض الناس في عصيان الملوك، ثم الفرار منهم، فلا يستطيع الملوك القبض عليهم، بخلاف رب العالمين، فلا يفوته شيء، كما قال تعالى:
{وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}
[التوبة:3]. قوله:
{وما كان لهم من دون الله أولياء}
. أي ما كان ولن يكون لهم غيره أولياء، والولي في اللغة كل من انعقد بينك وبينه سبب يجعلك تواليه، ويجعله يواليك. والمراد ليس لهم أولياء يدفعون عنهم عذاب الله ويمنعونهم من ذلك، والأولياء جمع ولي على وزن فعيل، والقاعدة الصرفية أن فعيلاً إذا كان وصفاً معتل اللام ـ كما هنا ـ أو مضعفاً كحبيب اطرد جمعه على أفعلاء، وإذا لم يكن معتلاً ولا مضعفاً فجمعه على فعلاء، ككريم وكرماء، وقد عقد ذلك ابن مالك في الخلاصة، فقال:
و"مِن" في قوله: من أولياء دالة على تنصيص عموم النفي، كما سبق.
{يضاعف لهم العذاب }
أي يضاعف لهم ضعفا مكان إضلالهم وصدهم غيرهم، وضعفا مكان ابتغائهم اعوجاج الطريق كما قال تعالى:
{وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ}
[العنكبوت:13].. وقال تعالى:
{لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ}
[النحل:25].. وثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: (من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء). [راجع صحيح مسلم (2/705)].. قوله تعالى:
{ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون}
في تفسير هذه الآية للسلف أوجه: الوجه الأول: أن المراد بها ما سبق من الأولياء المذكورين في قوله تعالى:
{وما كان لهم من دون الله من أولياء}
.. وصاحب هذا القول قد أبعد النجعة، والمعنى أن الأصنام لا تستطيع ذلك. كما قال تعالى:
{لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلْ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِي فَلا تُنظِرُونِ}
بالأعراف:195].. وقال تعالى عن إبراهيم:
{إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً}
[مريم:42].. الوجه الثاني: ـ وعليه الأكثر ـ أنه متعلق بما يليه، وذلك أن الله ختم على قلوبهم وعلى سمعهم، والمختوم على قلبه وعلى سمعه لا يفهم ولا يسمع، وهو ظاهر.. كما قال تعالى:
{الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً}
[الكهف:101].. أي لِما جعل على قلوبهم من الأكنة، وعلى أسماعهم من الوقر، وعلى أبصارهم من الغشاوة.. وعلى هذا الوجه يرد إشكال يحتج به الجبرية، وهو: إذا كان الله ختم على قلوبهم، وعلى سمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة، فإن المختوم على قلبه وسمعه، لا يستطيع السمع والفهم، لأجل الختم والطبع فهو مجبور، وليس بمختار. والجواب أن الله تعالى قد بين أن ذلك الختم والطبع والأكنة والغشاوة المانعة من الفهم للحق والسماع إنما سببه المسارعة إلى الكفر والكذب والتكذيب للرسل اختياراً منهم، فعاقبهم الله بذلك جزاء وفاقاً والجزاء من جنس العمل. كما قال تعالى:
{ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً }
[النساء:155].. فكفرهم هو السبب في ذلك.. وقال تعالى:
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ}
[المنافقون:3].. وقال تعالى:
{وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}
[الأنعام:110].. وقال تعالى:
{كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}
[المطففين:14].. ويفهم من هذا أن من أطاع الله نور قلبه، وقد قال تعالى مصرحاً بذلك في قوله:
{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ}
. [محمد:17].. الوجه الثالث: أن ذلك جار على أسلوب عربي، وهو أنه يعبر بعدم الاستطاعة عن الكراهة الشديدة جداً، فيقول الذي يكره شخصاً كراهة شديدة، لا أستطيع أن أكلمه وهو يستطيع ذلك، ولكنه يعبر بعدم الاستطاعة عن شدة بغضه له وكراهته، فالكفار لشدة كراهتهم للحق والقرآن ونفورهم عن قول أول الرسل، نوح عليه السلام:
{وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً}
[نوح:7].. بل إن الله تعالى حكى عن الكفار أنهم يكادون يضربون الذي يقرأ عليهم القرآن، كما قال تعالى:
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا}
[الحج:72].. وقال تعالى عن قوم آخر الرسل صلى الله عليه وسلم:
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}
[فصلت:26].. فالسمع والبصر المنفيان هما النافعان المفيدان. كما قال تعالى:
{وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون}
[الأحقاف:26 وراجع أضواء البيان (3/15-17)].. قوله تعالى:
{أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون}
الإشارة إلى الذين تقدمت صفاتهم، ودلت آيات أخرى أنهم خسروا أيضاً أهليهم.. كما قال تعالى:
{قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}
[الزمر:15].. والمعنى أنهم رُزؤا وغبنوا فيها، يوضح ذلك أن غاية أماني الكفار يوم القيامة الموت والعدم.. كما قال تعالى:
{وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}
[الزخرف:77].. وهذا يدل على تمام الحسرة والخسران، لأن حياتهم سيئة كلها. كما قال تعالى:
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ}
[فاطر:36]..
{وضل عنهم ما كانوا يفترون}
. معنى ضل ـ هنا ـ غاب واضمحل، يقال: ضل السمن في الطعام إذا اضمحل وغاب، ومنه قوله تعالى:
{وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ}
[السجدة (10)] أي اختلطت أجسادنا بها فغابت، ومن هنا سمي الدفن ضلالاً ومنه قول الشاعر:
وقول الآخر:
ومعنى الآية: غاب واضمحل ما افتروه في الدنيا من الشفعاء، والافتراء الاختلاق، وقد كانوا يعبدون غيره سبحانه ويدعون أن آلهتهم تشفع لهم عنده سبحانه وتعالى. كما قال تعالى:
{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}
[يونس:18].. و"ما" في قوله: "ما كانوا" اسم موصول، وضمير الربط العائد إليه محذوف، لأنه منصوب بالفعل، والتقدير يفترونه وحذف العائد إلى الموصول مطرد في مثل ذلك، كما قال ابن مالك في الخلاصة:
في عائد متصل أن انتصب=بفعل أو وصف كمن نرجو يهب في "جرم" وجهان: الوجه الأول: أن الكلمتين: "لا" و"جرم" بمعنى كلمة واحدة، وهو: حقاً، فهي للإثبات. والتحقيق أن العرب وضعته لذلك، وهي مركبة تركيب خمسة عشر، ويعود إلى هذا القول قول من فسرها، بلا بد أو لا محالة.. القول الثاني: أن "لا" نافية، و"جرم" معناه كسب، والمعنى لا، ليس الأمر كما يزعم الكفار، بل أن كفرهم كسب لهم الخسران الأعظم يوم القيامة، وفاعل جرم ضمير مستتر يعود إلى الكفر والمصدر المسبوك من أن وصلتها في محل نصب مفعول جرم أي كسب لهم كفرهم الخسران.. "في الآخرة" أي في الدار الآخرة.. "هم الأخسرون" أي الأكثرون خسراناً، لأنها صيغة تفضيل دالة على زيادة خسرانهم وكثرته.. وأصل الخسران نقص مال التاجر، وهو في الاصطلاح الشرعي غبن العبد في حظوظه من الله تعالى، وهذا يحض المسلم على الحرص على عدم الغبن، وقد أقسم الله تعالى أن هذا الخسران لا ينجو منه إلا من جمع صفات معينة ذكرها الله في سورة العصر وهي الإيمان بالله وبصفات جلاله وبكتبه والبعث والأنبياء وكل ما يشمله اسم الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.. قوله تعالى:
{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون}
. جرت العادة أن الله تعالى إذا ذكر ما عنده من النكال للكافرين بسبب كفرهم، ذكر ما عنده من الثواب والجزاء الحسن للمؤمنين، لأن مطامع الناس كلها تنحصر في أمرين: الأمر الأول: جلب النفع، والأمر الثاني: دفع الضر.. والعرف أنه إذا عطف على الإيمان العمل الصالح انصرف الإيمان إلى الإيمان الأكبر، وهو الإيمان القلبي أي يؤمنون بقلوبهم بكل ما يجب الإيمان به، كما يبنه الله ورسوله في عدة نصوص. و"الصالحات" أي الخصلات الصالحات، ولا يكون العمل صالحاً إلا إذا اجتمعت فيه ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن يكون مطابقاً للشرع، لأنه لا يقبل عمل غير مطابق لما شرع الله تعالى كما قال جـل وعلا:
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}
[الشورى:21].. الأمر الثاني: أن يكون العمل مخلصاً لله تعالى: بأن قصد به صاحبه وجه الله ونقاه من شوائب إرادة المخلوقين، كما قال تعالى:
{وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}
[البينة:5].. الأمر الثالث: أن يكون العمل مبنياً على أساس العقيدة الصالحة لأنها للعمل كالأساس للبناء، ولذلك قال تعالى هنا:
{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات}
فقدم الإيمان الذي هو العقيدة الصالحة على العمل.. أما أعمال الكفار فهي مضمحلة لأنها ليست مبنية على عقيدة صحيحة ولذلك كان الإيمان شرطاً في صحة العمل، كما قال تعالى:
{وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً}
[النساء:124].. بل صرح سبحانه وتعالى أنه أحبط أعمال الكفار كلية، فلا تنفعهم بشيء كما قال تعالى:
{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً}
[الفرقان:23].. وقال تعالى:
{مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ}
[إبراهيم:18].. والصالحات: جمع صالحة، وتطلق الصالحة ـ وكذا الحسنة ـ كاسم جنس تتناسى فيهما الوصفية ـ على الخصلة الحسنة، ومنه قوله أبي العاص:
وقول الآخر:
قوله تعالى:
{وأخبتوا إلى ربهم }
. الإخبات من الخبت، وهو المنخفض المطمئن من الأرض، وإذًا فالإخبات الخشية تداخل القلوب فتظهر آثارها على الجسم، ولهذا قيل: الإخبات الخشية والاطمئنان والتواضع..
{أولئك أصحاب الجنة}
. الإشارة إلى الذين تقدمت صفاتهم، والصحبة تطلق على كل شيئين وقعت بينهما ملازمة طويلة، وإنما سموا أصحاب الجنة لأنهم ملازموها، والجنة في اللغة البستان، قال زهير: [كأن عيني في غربي مقتلة=من النواضح] تسقي جنة سحقا [الذي أدركته مع الشيخ هو محل الشاهد: تسقي جنة سحقا، وقد أكملت ما فاتني من كتاب: مختار الشعر الجاهلي تحقيق مصطفى السقا (1/247)].. والمراد بها هنا دار الكرامة التي أعدها الله لعباده المؤمنين، وفيها نهر يطرد، وغرف عالية، وشجرة مثمرة، وزوجة حسناء، بل فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.. "خالدون" أي ماكثون، والمراد بالخلود هنا الديمومة والبقاء الأبدي الذي لا انقطاع فيه، كما قال تعالى:
{عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}
[هود:108].. وقال:
{إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ}
[ص:54].. قوله تعالى:
{مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلاً أفلا تذكرون}
. هذا توضيح لما مضى من قوله:
{ومن أظلم ممن افترى}
إلى قوله:
{هم الأخسرون}
. ومن قوله:
{إن الذين آمنوا}
إلى قوله:
{خالدون}
. فهم قسمان: فريق المؤمنين في الجنة، وفريق الكفار في النار..
{كالأعمى والأصم}
هذا مثل للفريق الكافر، فهم عمي البصائر لا يرون الحق حقاً، ولا الباطل باطلاً، ولا الضار ضاراً، ولا النافع نافعاً، ولا الحسن حسناً، ولا القبيح قبيحاً، صم الآذان، لا يسمعون الكلام الحسن الذي ينفعهم، فيأخذون به، ولا الكلام القبيح الذي يضرهم فيجتنبونه..
{والسميع والبصير}
وهذا مثل للفريق المؤمن، فهم يرون ببصائرهم ويعقلون ويسمعون ما ينفع فيأخذون به، وما يضر فيجتنبونه، وقد جرت العادة أن الله تعالى يضرب الأمثال في القرآن للمعقولات بالمحسوسات، حتى تصير المعقولات كالمحسوسات، ولكن الله تعالى أخبر أنه لا ينتفع بالأمثال إلا الذين لهم بصائر وهو الفريق المؤمن.. كما قال تعالى:
{وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ}
[العنكبوت:43].. بل أخبر تعالى أن تلك الأمثال لا تزيد الكفار، إلا ضلالاً. كما قال تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ}
[البقرة:26].. والأعمى والأصم صفتان مشتبهتان من عمِي وصمم، وأكثر الكلاميين على أن العمى والصمم عدميان، وبعضهم يقول: إنهما وجوديان، والمراد بهما آفتان مانعتان من الإبصار والسمع، والصفة المشبهة من فعِل بكسر العين إذا دلت على لون أو عاهة اطرد وزنها على أفْعَل كما هنا في الآفة والعاهة، وكجذم فهو أجذم، واللون كسود فهو أسود وحمر فهو أحمر.. والحقيقة أن البصر الحقيقي هو صلاح البصيرة، ولا يضر عمي البصر مع نور البصيرة.. كما قال تعالى:
{فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}
[الحج:46].. وقال الشاعر:
والنور الإلهي والشعاع السماوي هو الذي يُرى به الحق، وآداب القرآن هي الزيت الذي يمد الإيمان فيزداد نوره.
{هل يستويان مثلاً }
. أي الفريقان السابقان هل تستوي صفاتهم وما يترتب عليها في الدنيا والآخرة، ومثلاً تمييز محول عن الفاعل، أي هل يستوي مثلهم، ولا شك أن صفتهم لا تستوي، وهم لا يستوون كما قال تعالى:
{أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
. [الملك:22]..
{أفلا تذكرون}
. سبق الكلام على الهمز مع حرف العطف [في أول الآية رقم:17].. والتقدير هنا: أتغفلون فلا تتذكرون، والتذكر الاتعاظ، والتاء في تتذكرون يجوز إثباتها وحذفها على حد قول ابن مالك في الألفية:
الفهرس
12347873
عداد الصفحات العام
16
عداد الصفحات اليومي
جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م