﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

المبحث الثالث: طالب الولاية لا يولى:
المقصود من الولاية والإمارة: إعلاء كلمة الله، وإقامة دينه في أرضه، والواجب أن يتخذها صاحبها ديناً وقربة إلى الله سبحانه وتعالى، كالصلاة والصيام والحج والزكاة. قال ابن تيمية رحمه الله سبحانه وتعالى: "فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربة يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات".. [1]. قلت: ومما يدل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}. [الحج: 41]. ولما كان أغلب الناس يتطلعون للإمارة والرئاسة من أجل الحظ الدنيوي، من عز وجاه ومال، وتسلط على رقاب الناس.. ورد في الشرع النهي عن طلب الإمارة، لأن طالبها - بدون ضرورة - يغلب عليه قصد حظ نفسه.. وإذا غلب عليه حظ نفسه ضعف قيامه بمقصودها، وهو إقامة دين الله وأداء حقوق عباده، يضاف إلى ذلك أنه لو أُذن للمسلمين أن يطلبوا الإمارة ويحرصوا عليها - بدون ضرورة - لحصل بينهم التنافس والتزاحم على الوظائف والولايات.. وترتب على ذلك وجود عداوات وحزازات، وتحزب وتكتل، وقد يفضي ذلك إلى التقاطع والحرب، وهذا ما حدث للمسلمين بسبب تنافسهم في الولايات لحظ أنفسهم، مع أن المطلوب من المسلمين الإيثار والمحبة وعدم التنافس على مطامع الدنيا، فكان من حكمة الشارع أن ينهي المسلم عن طلب الإمارة. روى عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها)).. [2]. وأخبر صلى الله عليه وسلم أن كثيراً من أمته سيحرص على الإمارة، بسبب الحظ العاجل الذي يناله فها طالبها، وأن عاقبة ذلك الندم يوم القيامة، لما فيها من تبعات. روى أبو هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة)) . [3]. ودلت السنة أيضاً أن ولي الأمر لا يولي من طلب الإمارة.. كما روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من قومي، فقال أحد الرجلين: أمِّرْنا يا رسول الله، وقال الآخر مثله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنا لا نولي هذا الأمر من سأله، ولا من حرص عليه)) . [4]. ولما سأله أبو ذر، فقال: ألا تستعملني يا رسول الله؟ قال له صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)). [5]. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ((إلا من أخذها بحقها)). وقوله: ((وإنها يوم القيامة خزي وندامة)) دليل على أن من حرص على الإمارة لحظ نفسه وفرح بها في الدنيا وتقمص شرفها وعزها واختال بها على الناس، يجازيه الله بضد ذلك كله يوم الحساب، فيندم بدل الفرح، ويذل بدل العز والشرف والاختيال، لأن الغالب على الحريصين على الإمارة لحظوظ أنفسهم، ظلم الناس وهضم حقوقهم. وقد بين العلماء رحمهم الله، سبب النهي عن طلب الإمارة ومنع طالبها منها، فذكر الشاطبي أن السبب في ذلك قصد طالبها في الغالب حظ نفسه منها.. قال: "فإن عز السلطان وشرف الولايات، ونخوة الرياسة، وتعظيم المأمورين للآمر، مما جبل الإنسان على حبه، فكان الأمر بها جارياً مجرى الندب، لا الإيجاب، بل جاء ذلك مقيداً بالشروط المتوقع خلافها.. وإن النظر في مخالفة الداعي فجاء كثير من الآيات والأحاديث في النهى عما تنزع إليه النفس.. كقوله سبحانه وتعالى: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}. [سورة ص، آية: 26]. وفي الحديث: ((لا تطلب الإمارة، فإنك إن طلبتها باستشراف نفس وكلت إليها)). [6]. وجاء النهي عن غلول الأمراء، وعن عدم النصح في الإمارة. لما كان هذا كله على خلاف الداعي من النفس، ولم يكن هذا كله دليلاً على عدم الوجوب في الأصل.. بل الشريعة كلها دالة على أنها في مصالح الخلق من أوجب الواجبات".. [7]. وذكر ابن تيمية رحمه الله أن أكثر الناس تفسد أحوالهم في الإمارة بسبب ابتغاء الرئاسة والمال بها. فقال: "وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرئاسة والمال بها، وقد روى كعب ابن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم، بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)).. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.. فأخبر أن حرص المرء على المال والرئاسة يفسد دينه مثل أو أكثر من فساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم".. [8]. ومعنى هذا إن ذئاب الغنم أخف ضرراً من ذئاب الرئاسة على البشر، وهذا الحديث يحكي حالة أكثر الناس الذين يسعون لتولي أمور المسلمين، فإنهم على الضد من المقصود بالولايات في الإسلام.. إذ الأصل أن يقوم ولي الأمر برعاية مصالح المسلمين، مثل راعي الغنم الذي يتتبع به مواقع العشب والري، ويجنبه مواقع الجدب والقحط، والأماكن التي تكثر فيها الذئاب.. وإذا ما رأى ذئباً يريد أن يفترس إحداها، دفعه عنها وحماها منه، وإذا رجع بها من مكان رعيها حفظها في زريبة لا تقدر الذئاب على دخولها.. وكذلك الذي يتقلد ولاية المسلمين يرعى مصالحهم ويحميها، ويدفع عنهم المفاسد، ويسهر ليله ويكدح نهاره من أجل سعادتهم وأمنهم وحفظ حقوقهم، وهذا لا يطلب الإمارة من غير ضرورة لشدة خوفه من تبعاتها. أما الذي يطلب الولاية من أجل الرئاسة والمال والشرف، فإنه كالذئب الجائع الذي وجد مدخلاً لزريبة غنم، فأخذ يقتل كل واحدة منها على حدة، فإذا فرغ من قتلها كلها أكل ملء بطنه وفر هارباً.. فإذا لم يقدر على قتل الغنم كله قتل ما قدر على قتله.. وهكذا طالب الرئاسة والمال، يفسد على الناس أحوالهم بنهب أموالهم، والاعتداء على نفوسهم وأعراضهم، يعيث في الأرض فساداً، وإفساده لمصالح المسلمين ودينهم أشد من إفساد الذئب الجائع لزريبة غنم.
1 - مجموع الفتاوي (28/391)
2 - البخاري (8/106) ومسلم (3/1456)
3 - البخاري (8/106)
4 - البخاري (8/107) ومسلم (3/1456)
5 - مسلم (3/1457)
6 - سبق بمعناه قريباً من حديث عبد الرحمن بن سمرة
7 - الموافقات (2/182) بتحقيق عبد الله دراز
8 - مجموع الفتاوي (28/392-393) والحديث في سنن الترمذي (4/588



السابق

الفهرس

التالي


12360166

عداد الصفحات العام

1581

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م