﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

المسألة الأولى: الإصلاح في الأرض من أهم وظائف المؤمن:
والإصلاح جزء من عبادة الله التي لا ينفك عنها المسلم في حياته كلها. كما قال سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}. [الذاريات (56)]. وقال سبحانه وتعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}. [الحجر (99)]. وقال سبحانه وتعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}. [التغابن (16)]. وقال: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}. [البقرة (286)]. فمن أهم وظائف الأنبياء والرسل ومن تبعهم على هدى الله سبحانه وتعالى، الإصلاح في الأرض ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وقد أبرز ذلك شعيب صلى الله عليه وسلم لقومه، كما حكى الله لك عنه في كتابه، فقال: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}. [هود (88)]. فالإصلاح في الأرض من أهم مقاصد الشريعة.. يتبين ذلك من كثرة ذكره في القرآن الكريم، ثناء به على أهله. كما قال سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ}. [الأعراف (170)]. وقال سبحانه وتعالى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}. [النساء (114)]. وأمراً لهم بالقيام به،كما قال سبحانه وتعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. [الحجرات: 9-10]. وطلبهم من ربهم الفوز به في زمرة عباده الصالحين، كما قال سبحانه وتعالى: {وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ}. [النمل (19)]. وقال سبحانه وتعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ}. [الجاثية (15)]. فإذا استطاع المسلم أن يقوم بالإصلاح في الأرض، بدون طلب الولاية والإمارة وبدون ثنائه على نفسه ليمكن من ذلك، فالأصل ألا يثني على نفسه ولا يطلب الولاية لنفسه، كما مضى. فإن لم يوجد من يقوم بذلك الإصلاح قياما كافيا غيره، ولم يرشحه غيره ويذكر للناس صفاته التي تؤهله للولاية، ولم يجد طريقا إلى الإصلاح إلا بالثناء على نفسه وإبراز صفاته لمن يجهلها، وطلب الولاية للقيام بالإصلاح، فإنه يتعين عليه إبراز صفات كفاءته وطلب الولاية التي يستطيع بها الإصلاح الممكن، قل أو كثر، لأن من مقاصد الشريعة جلب ما أمكن من المصالح، ودفع ما أمكن من المفاسد. وهل يليق بمسلم أو جماعة إسلامية أو حزب إسلامي أن يتأخروا عن هذا الأمر الخطير لمن يحارب الإسلام وتطبيق شرع الله في الأرض وهم قادرون على منافسته، لإقامة شرع الله، أو التخفيف من الشر والزيادة في الخير؟ وسبق أن المقصود بالولاية التقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، كالصلاة والصيام والحج، وإنما نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن طلبها، لما جبل عليه الناس من قصدهم بها حظوظ نفوسهم. والحكم يدور مع علته إثباتا ونفيا، فإذا أصبحت الولاية متعينة على المسلم، لكونها السبيل الوحيد إلى الإصلاح الذي يقصد القيام به، انتفى حظ النفس منها، فانتفى النهي عن طلبها... وقد استدل العلماء على ذلك بطلب يوسف عليه السلام من ملك مصر الولاية على خزائن الدولة، كما قال سبحانه وتعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}. [يوسف: 54-55]. ويكفي ذكر نصين من نصوص المفسرين على الآية الكريمة: الأول: للقرطبي رحمه الله. والثاني: للزمخشري رحمه الله. قال القرطبي: "الثالثة ودلت الآية أيضا عن جواز أن يخطب الإنسان عملا يكون له أهلا. فإن قيل: فقد روى مسلم علي عبد الرحمن بن سمرة قَال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها علي مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها علي غير مسألة أعنت عليها)). وعن أبي بردة قال قَال أبو موسى: أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما علي يميني والآخر علي يساري، فكلاهما سأل العمل، والنبي صلى الله عليه وسلم يستاك. فقال: ((ما تقول يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس؟)) قال قلت والذي بعثك بالحق ما أطلعاني عن ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل. قال وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت، فقال: ((لن أو لا نستعمل عن عملنا من أراده)) وذكر الحديث خرجه مسلم أيضا وغيره فالجواب أولا: أن يوسف عليه السلام إنما طلب الولاية، لأنه علم أنه لا أحدا يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم، فرأى أن ذلك فرض متعين عليه فإنه لم يكن هناك غيره. وهكذا الحكم اليوم، لو علم إنسان من نفسه أنه يقوم بالحق في القضاء أو الحسبة، ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامه، لتعين ذلك عليه ووجب أن يتولاها، ويسأل ذلك ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك كما قال يوسف عليه السلام. فأما لو كان هناك من يقوم بها ويصلح لها وعلم بذلك، فالأولى ألا يطلب لقوله عليه السلام لعبد الرحمن: ((لا تسأل الإمارة))، وأيضا فإن في سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها، دليل على أنه يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك، وهذا معنى قوله عليه السلام ((وكل إليها)) ومن أباها لعلمه بآفاتها ولخوفه من التقصير في حقوقها فر منها ثم إن ابتلي بها، فيرجى له التخلص منها وهو معنى قوله أعين عليها". [1]. وقال الزمخشري: "المسألة الثانية لقائل أن يقول لم طلب يوسف الإمارة والنبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن سمرة: ((لا تسأل الإمارة)). وأيضاً فكيف طلب الإمارة من سلطان كافر؟ وأيضا لِمَ لم يصبر مدة ولِمَ أظهر الرغبة في طلب الأمارة في الحال؟ وأيضا لِمَ طلب أمر الخزائن في أول الأمر، مع أن هذا يورث نوع تهمة؟ فنقول الأصل في جواب هذه المسائل، أن التصرف في أمور الخلق كان واجبا عليه، فجاز له أن يتوصل إليه بأي طريق كان. إنما قلنا إن ذلك التصرف كان واجبا عليه لوجوه: الأول: أنه كان رسولاً حقاً من الله سبحانه وتعالى إلى الخلق، والرسول يجب عليه رعاية مصالح الأمة بقدر الإمكان. والثاني: وهو أنه عليه السلام علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضيق الشديد الذي ربما أفضى إلى هلاك الخلق العظيم، فلعله سبحانه وتعالى أمره بأن يدبر في ذلك ويأتي بطريق لأجله يقل ضرر ذلك القحط في حق الخلق. والثالث: أن السعي في إيصال النفع إلى المستحقين ودفع الضرر عنهم أمر مستحسن في العقول. وإذا ثبت هذا فنقول إنه عليه السلام كان مكلفا برعاية مصالح الخلق من هذه الوجوه، وما كان يمكنه رعايتها إلا بهذا الطريق، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فكان هذا الطريق واجبا عليه". [2]. بل استحسن ابن تيمية رحمه الله تولي من يخفف من ظلم الظالم الشديد باحتمال الظلم الأخف، إذا دخل المتولي بهذه النية فقال: "بل لو كانت الولاية غير واجبة وهي مشتملة على ظلم، ومن تولاها أقام الظلم حتى تولاها شخص قصده بذلك تخفيف الظلم فيها ودفع أكثره باحتمال أيسره، كان ذلك حسنا مع هذه النية وكان فعله لما يفعله من السيئة بنية دفع ما هو اشد منها جيدا ... وهذا باب يختلف باختلاف النيات والمقاصد..." إلى أن قال: "ومن هذا الباب تولي يوسف الصديق على خزائن الأرض لملك مصر، بل ومسألته أن يجعله على خزائن الأرض، وكان هو وقومه كفارا... ومعلوم أنه مع كفرهم لا بد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته ورعيته، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم. ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد، وهو ما يراه من دين الله، فإن القوم لم يستجيبوا له، لكن فَعَل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا كله داخل في قوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}. [3]. وقال في موضع آخر: "والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بالقرآن، فإن قومه لا يقرونه على ذلك، وكثيرا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضياً، بل وإماماً وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.." . [4].
1 - الجامع لأحكام القرآن (9/215)
2 - الكشاف (2/455) و على هذا الرأي عامة المفسرين، ويمكن مراجعة كتب التفسير الآتية: التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي (2/122) التفسير الكبير للرازي (18/128) تفسير أبي السعود (4/286) تفسير ابن كثير (2/482) تفسير البيضاوي (3/295) فتح القدير للشوكاني (3/35) تفسير السعدي (1/401، 1(/410)
3 - التغابن: 16 ومجموع الفتاوى (20/55-57)
4 - مجموع الفتاوى (19/218)



السابق

الفهرس

التالي


12360575

عداد الصفحات العام

1990

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م